المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجهل مع سبق الإصرار والترصد


أبو معاذ
21-12-2002, 08:44
بقلم: عمار عقيلي
قلما يعترف المرء بأنه مذنب عندما يقترف خطأ ما، أو على الأقل يحاول أن يلتمس لنفسه عذراً يبرر معه فعلته الذي أتى. ولعل الجهل وعدم اللحاق بركب المعرفة، تتحول إلى جريمة يعاقب عليها الضمير، في حال أعاقت تقدم الأمة، وأثرت في مصير الناس.
هذا الكلام انساب إلى خاطري، عندما انتهيت من قراءة التقرير الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، حول التنمية الإنسانية العربية للعام 2002، وهو تقرير التنمية الإنسانية الإقليمي الأول، للبلدان العربية. والذي يغطي 22 بلداً عربياً، تمتد من المغرب إلى الخليج.
وبالرغم من أن التقرير يركز في نقاطه الأساسية على الجوانب التنموية في حياة الإنسان العربي، من تعليم وصحة، وحريات سياسية، وحقوق المرأة، والبطالة، وغيرها الكثير من الأمور، إلا الجانب الذي يهمني الإشارة إليه، أكثر من غيره هنا، هو الفصل الذي يتعرض لتوظيف القدرات البشرية، في مجال تقنية المعلومات والاتصالات، والفجوة الرقمية بين العالم العربي والدول المتقدمة.
ويذكر التقرير أن الفجوة الرقمية لا يمكن تجاهلها، إلا أنها ليست مشكلة تقنية في المقام الأول، فالتقنية كانت وستظل منتجاً اجتماعياً، وقد جاءت المعلومات والاتصالات بمثابة تأكيد حاسم لهذا الرأي، وبقدر ما يحتاج تضييق الفجوة إلى توافر الوسائل الفنية، بقدر ما يحتاج إلى نوع من الابتكار الاجتماعي، وإلى الإيمان التام لدى أصحاب القرار في الوطن العربي، بضرورة ردم هذه الفجوة، وإلا ستذهب المحاولات أدراج الرياح ما لم تجد سنداً قوياً ممن يقررون مصائر المجتمعات العربية!
ويذكر التقرير عدة عوامل أساسية تعمل على توسيع مدى الفجوة الرقمية بين البلدان العربية والعالم المتقدم، من أهمها:
ـ كون تقنيات المعلومات والاتصال بحكم طبيعتها، ذات قابلية عالية للاحتكار والدمج، وذلك نظرا لما توفره من وسائل السيطرة المركزية وسهولة المناورة بالأصول الرمزية، وسيولة تدفق السلع المعلوماتية.
ـ الانتقال إلى اقتصاد المعرفة، وقد أدى ذلك إلى تحويل عملية إنتاج المعرفة على أساس الربحية، مما أدى بدوره إلى ارتفاع كلفة الحصول على موارد المعرفة.
ـ ارتفاع كلفة إنشاء البنية التحتية لشبكات الاتصالات وسبل الحصول على المعلومات بسرعة فائقة.
ـ النزيف المتزايد للعقول العربية، سواء الفعلي الذي يتم من خلال الهجرة، أو الرقمي الذي يتم عن بعد من خلال شبكة إنترنت، خاصة للنخبة المتخصصة في مجال تقنيات المعلومات والاتصالات، والتي تتعرض حالياً لجذب شديد من قبل الدول المتقدمة. وينذر هذا الوضع. إن استمر باستبعاد الدول العربية من مجال البحوث والتطوير.
ـ ضعف دور منظمات الجامعة العربية، والمنظمات الإقليمية الأخرى في هذا المجال.
ـ قلة اهتمام بيوت التمويل العربية بمشروعات المعلوماتية. حيث تجرى دراسات الجدوى في العادة على أساس اقتصادي محض دون أن تؤخذ العائدات العرفية والاجتماعية في الحسبان.
ـ التضخم المطلوب في ميزانيات التعليم، خاصة بعد التوسع في استخدام تقنيات المعلومات والاتصال في المجال التربوي.
ومن الأرقام التي يوردها التقرير أن الناتج الإجمالي العربي يبلغ 531.2 مليار دولار، وهو أقل من الناتج المحلي لأسبانيا والذي يبلغ 595.5 مليار دولار!!
شكلت النفقات العلمية عام 1996 نسبة 0.14% فقط من الناتج الإجمالي العربي بالمقارنة مع 1.26% لكوبا و 2.9% لليابان في عام، كما تجدر الإشارة أيضا إلى أن الاستثمار في البحث والتطوير اقل من سُبع المعدل العالمي.
التقرير يوضح بجلاء أيضاً أن هناك الكثير مما ينبغي عمله في المجالات التقنية، لتتمكن من الانضمام كشريك كامل إلى مجتمع المعلومات العالمي والاقتصاد العالمي القائم على المعرفة، ولتتمكن من التصدي لآفة البطالة، بشقيها الإنساني والاقتصادي، التي تؤثر على البلدان العربية أكثر من تأثيرها على أية منطقة نامية أخرى. ويبين التقرير بوضوح التحديات التي تواجه الدول العربية من حيث تعزيز الحريات الشخصية وتعزيز مشارك قاعدة عريضة من المواطنين في الشؤون السياسية والاقتصادية.
ويؤكد التقرير على أن مستخدمي إنترنت العرب، يعانون من نقص في المساهمات العربية، والافتقار الشديد إلى مصادر المعلومات العربية على إنترنت.

وفيما يتعلق بالمعرفة، ونقل العلوم العالمية إلى اللغة العربية، يشير التقرير إلى أرقام مخزية. حيث يبلغ ما يترجمه العالم العربي سنوياً من الكتب 330 كتاباً فقط، وهو ُخمس ما تترجمه اليونان سنوياً، وأن العدد الإجمال لما تم ترجمته من الكتب منذ عصر المأمون حتى الآن 100 ألف كتاب، وهو ما يوازي ما تترجمه إسبانيا وحدها في عام واحد!!

هذه الأرقام المخيفة ليست أوهاماً ولكنها صورة صادقة في مرآة الواقع.
والسؤال الذي نطرحه الآن، إلى من يتوجه هذا التقرير الذي أعده نخبة من المفكرين والعلماء العرب، الذين تجاوز عددهم الخمسين. هل إلى سيلتفت إليه المسؤولون وصناع القرار العربي، أم سيؤول إلى عتمة أدراج المكاتب، كما مصير الكثير من التقارير التي سبقته. وإذا حصل ذلك فلابد أن يحاكمنا التاريخ والضمير، بتهمة الجهل مع سبق الإصرار والترصد.