أبو معاذ
21-12-2002, 08:41
بقلم: حسن م. يوسف
تعلمون أيها القراء الكرام، أن الكثير من الأشياء التي كانت تبدو قبل أعوام، ضرباً من التخيلات والأوهام، قد قفزت مباشرة، كما في الأحلام، من عالم المستحيلات العصية، إلى عالم الحقائق البديهية. ويبدو أن هذه التطورات العلمية، تنمو وفق متوالية هندسية، تضيق مع سرعتها التصاعدية، المسافة بين الحلم والواقع، بشكل أقل ما يقال عنه: إنه رائع!
مناسبة هذا الكلام، أنني قرأت قبل أيام، في إحدى المجلات الإنجليزية، مقالة علمية عن واحد من أهم الإنجازات البرامجية، التي ستغير طبيعة رسائلنا الإلكترونية، وتضفي عليها الكثير من التشويق والإثارة والموثوقية!
فقد توصل فريق للأبحاث العلمية في إحدى الجامعات البريطانية، في مطلع السنة الحالية، إلى وضع منظومة برمجية، تُمَكِّن متلقي الرسائل الإلكترونية، من استلام صورة لمرسلها بالذات، دون أن يختنق حسابه الإلكتروني بكمية ضخمة من البيانات.
أطلق على هذا النظام اسم "الوجه البريدي" (Facemail) وقد تمكن هذا النظام رغم حداثته، وقصر فترة تجربته، أن يكسب سمعة عالمية هائلة، من خلال تفوقه على كل البرمجيات المماثلة، إذ فاز مؤخراً بالجائزة الأولى في مسابقة (ديكون) الأوروبية للمحتويات المعلوماتية الرقمية، التي نظمت في العاصمة البرتغالية.
وقد توصل لهذا النظام، فريق معلوماتي برئاسة الدكتور كريس سولومون في مدرسة العلوم الفيزيائية، التابعة لجامعة كنت الإنجليزية، الذي بحث طويلا في مجال النمذجة المعلوماتية وترميز الملامح البشرية، والتعرف عليها بوسائل آلية.
يعمل نظام "الوجه البريدي" بواسطة تقنية، وضعها سولومون لترميز الوجوه البشرية، تنقل رمزاً قصيراً جداً لوجه منشئ الرسالة الإلكترونية هو رقم تحديد الهوية الشخصية PIN، ثم تضع هذا الرمز في مقدمة الرسالة الإلكترونية، وعند وصول الرسالة إلى غايتها، يقوم حاسب المستقبل بإعادة تكوين صورة المرسل بعد فك شيفرتها. وهذه التقنية، تشكل قفزة جدية في مجال الرسائل الإلكترونية، إذ يمكن بواسطتها، تحويل صور أصحاب الرسائل الواردة، إلى حافظ للشاشة، يستطيع المستخدم أن يحيط به بنظرة واحدة!
ويتوقع المراقبون أن تزدهر هذه التقنية، في استعراض الرسائل الإلكترونية، كونها تمكن المستخدم من معالجة رسائله الإلكترونية بسرعة وفاعلية، كما تمكنه من تعزيز الصداقة مع الآخرين، والتخلص من المتطفلين، خاصة في مواقع الدردشة، التي تبعث على المرارة، لكثرة المتنكرين فيها خلف أسماء مستعارة.
ولن ندرك أهمية هذه التقنية إلا إذا علمنا أن طريقتها في ترميز الوجوه البشرية، تعتمد على ترميزها في مجمعات صغيرة من البيانات لا يزيد حجمها عن خمسين من البايتات! أي أنه من الممكن وضعها بسهولة وموثوقية على البطاقات المصرفية، والهويات الشخصية، والقسائم الهاتفية والأشرطة المغناطيسية، بحيث يمكن فك رموزها، ومقارنة الصورة التي تمثلها مع وجه حاملها، وهذا يعني أن تقنية "الوجه البريدي" سوف تطلق رصاصة الخلاص، على تقنية ضغط البيانات المستخدمة حالياً في نقل صور الأشخاص.
يقول البروفسور سولومون رئيس فريق مدرسة العلوم الفيزيائية في جامعة كنت الإنجليزية، كاشفاً السر عن هذه التقنية العبقرية: "نستطيع أساسا تفكيك ملامح الوجوه الإنسانية، إلى عدد من المركبات الشكلية، تتراوح بين خمسين ومائة من مختلف المركبات. وإذا جمعنا تلك المركبات مع الخصائص المناسبة لها، الموجودة في المكتبة الرقمية، تيسرت لنا عملية إعادة تركيب الصورة البشرية".
لاشك أن هذه التقنية، تفتح الباب واسعاً لكثير من التطبيقات الحياتية، التي من شأنها أن تسهل المعاملات المصرفية، وكل العمليات التي تتطلب تحققاً سريعاً من الشخصية. لكنها في نفس الوقت تكشف المعلومات الشخصية للمسيطرين على شبكة المعلوماتية، مما قد ينطوي على مخاطر حقيقية، تهدد الحرية الفردية!
فقد بدأت وسائل الإعلام الأمريكية، تعبر عن شكوى مستخدمي وسائل الاتصال بما فيها الشبكة العالمية، من تزايد الرقابة على حياتهم الشخصية بموجب قانون مكافحة الإرهاب الذي تم تمريره عقب عمليات أيلول الكارثية!
وشر البلية، أن بلداننا العربية، قد تكون الأكثر تأثراً بهذه القضية، نظراً لأنها تشارك في مزودات (servers) ليست ملكها، ولا في داخلها. فقد أعلن أنصار الخصوصية، عن مخاوفهم الجدية من ازدياد التعاون بين الأجهزة الأمنية والقضائية، ومقدمي خدمات الإنترنت والاتصالات الأمريكية، مما يقوض الحريات المدنية والشخصية! وقد نشرت بعض وسائل الإعلام الأمريكية، أن الجهات الأمنية الأمريكية تفرض رقابة صارمة، على اتصالات العديد من مستخدمي الشبكة العالمية، في البلدان العربية، وخاصة في السعودية!
فقد جاء في تقرير نشره موقع (سي.إن. إن) على الشبكة العالمية، نقلاً عن آل غديري المحامي المدافع عن الخصوصية، وممثل شركات الاتصالات والإنترنت، إن الاتجاه البارز بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول الماضي هو انتهاك الخصوصية، وتجاوز الحريات الفردية.
وأضاف غديري أن طلبات الرقابة على المعلومات الشخصية في شركات الاتصالات والمعلوماتية قد زادت خمس مرات مقارنة بما قبل 11 أيلول الماضي. ويخشى أنصار الدفاع عن حق الخصوصية، في الولايات المتحدة الأمريكية، أن يؤدي قانون مكافحة الإرهاب إلى إجبار شركات الإنترنت والاتصالات على رقابة ما يتداوله عملائها من بيانات.
وقد أكدت سيدة تدعى شيلا كيلر بصفتها مسئولة عن مزود خدمات بريد إلكتروني مجاني في إحدى الولايات الأمريكية، أن طلبات الحصول على معلومات الزبائن الشخصية، من قبل الأجهزة الأمنية والقضائية، قد تضاعف خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. واعترفت أنها قد استجابت لطلبات خاصة بالرقابة على بعض صناديق البريد الإلكتروني الخاصة بمستخدمين في السعودية وعدد من البلدان الشرق أوسطية.
وهذا الأمر يأخذ أبعاداً كابوسية، بالنسبة للعرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية، لأنهم يخضعون لقانون "الأدلة السرية".
لذا فإن نظام "الوجه البريدي" قد يكون نقمة علينا بدلاً من أن يكون نعمة لنا! فالشيء الجيد يصبح شريراً عندما يسيطر عليه الأشرار! خاصة وأن "البشرية" تتجه نحو نوع جديد من "الديمقراطية" تحاكم الإنسان بأدلة لا يعرفها، ولا يستطيع بالتالي دحضها أو الرد عليها!
تعلمون أيها القراء الكرام، أن الكثير من الأشياء التي كانت تبدو قبل أعوام، ضرباً من التخيلات والأوهام، قد قفزت مباشرة، كما في الأحلام، من عالم المستحيلات العصية، إلى عالم الحقائق البديهية. ويبدو أن هذه التطورات العلمية، تنمو وفق متوالية هندسية، تضيق مع سرعتها التصاعدية، المسافة بين الحلم والواقع، بشكل أقل ما يقال عنه: إنه رائع!
مناسبة هذا الكلام، أنني قرأت قبل أيام، في إحدى المجلات الإنجليزية، مقالة علمية عن واحد من أهم الإنجازات البرامجية، التي ستغير طبيعة رسائلنا الإلكترونية، وتضفي عليها الكثير من التشويق والإثارة والموثوقية!
فقد توصل فريق للأبحاث العلمية في إحدى الجامعات البريطانية، في مطلع السنة الحالية، إلى وضع منظومة برمجية، تُمَكِّن متلقي الرسائل الإلكترونية، من استلام صورة لمرسلها بالذات، دون أن يختنق حسابه الإلكتروني بكمية ضخمة من البيانات.
أطلق على هذا النظام اسم "الوجه البريدي" (Facemail) وقد تمكن هذا النظام رغم حداثته، وقصر فترة تجربته، أن يكسب سمعة عالمية هائلة، من خلال تفوقه على كل البرمجيات المماثلة، إذ فاز مؤخراً بالجائزة الأولى في مسابقة (ديكون) الأوروبية للمحتويات المعلوماتية الرقمية، التي نظمت في العاصمة البرتغالية.
وقد توصل لهذا النظام، فريق معلوماتي برئاسة الدكتور كريس سولومون في مدرسة العلوم الفيزيائية، التابعة لجامعة كنت الإنجليزية، الذي بحث طويلا في مجال النمذجة المعلوماتية وترميز الملامح البشرية، والتعرف عليها بوسائل آلية.
يعمل نظام "الوجه البريدي" بواسطة تقنية، وضعها سولومون لترميز الوجوه البشرية، تنقل رمزاً قصيراً جداً لوجه منشئ الرسالة الإلكترونية هو رقم تحديد الهوية الشخصية PIN، ثم تضع هذا الرمز في مقدمة الرسالة الإلكترونية، وعند وصول الرسالة إلى غايتها، يقوم حاسب المستقبل بإعادة تكوين صورة المرسل بعد فك شيفرتها. وهذه التقنية، تشكل قفزة جدية في مجال الرسائل الإلكترونية، إذ يمكن بواسطتها، تحويل صور أصحاب الرسائل الواردة، إلى حافظ للشاشة، يستطيع المستخدم أن يحيط به بنظرة واحدة!
ويتوقع المراقبون أن تزدهر هذه التقنية، في استعراض الرسائل الإلكترونية، كونها تمكن المستخدم من معالجة رسائله الإلكترونية بسرعة وفاعلية، كما تمكنه من تعزيز الصداقة مع الآخرين، والتخلص من المتطفلين، خاصة في مواقع الدردشة، التي تبعث على المرارة، لكثرة المتنكرين فيها خلف أسماء مستعارة.
ولن ندرك أهمية هذه التقنية إلا إذا علمنا أن طريقتها في ترميز الوجوه البشرية، تعتمد على ترميزها في مجمعات صغيرة من البيانات لا يزيد حجمها عن خمسين من البايتات! أي أنه من الممكن وضعها بسهولة وموثوقية على البطاقات المصرفية، والهويات الشخصية، والقسائم الهاتفية والأشرطة المغناطيسية، بحيث يمكن فك رموزها، ومقارنة الصورة التي تمثلها مع وجه حاملها، وهذا يعني أن تقنية "الوجه البريدي" سوف تطلق رصاصة الخلاص، على تقنية ضغط البيانات المستخدمة حالياً في نقل صور الأشخاص.
يقول البروفسور سولومون رئيس فريق مدرسة العلوم الفيزيائية في جامعة كنت الإنجليزية، كاشفاً السر عن هذه التقنية العبقرية: "نستطيع أساسا تفكيك ملامح الوجوه الإنسانية، إلى عدد من المركبات الشكلية، تتراوح بين خمسين ومائة من مختلف المركبات. وإذا جمعنا تلك المركبات مع الخصائص المناسبة لها، الموجودة في المكتبة الرقمية، تيسرت لنا عملية إعادة تركيب الصورة البشرية".
لاشك أن هذه التقنية، تفتح الباب واسعاً لكثير من التطبيقات الحياتية، التي من شأنها أن تسهل المعاملات المصرفية، وكل العمليات التي تتطلب تحققاً سريعاً من الشخصية. لكنها في نفس الوقت تكشف المعلومات الشخصية للمسيطرين على شبكة المعلوماتية، مما قد ينطوي على مخاطر حقيقية، تهدد الحرية الفردية!
فقد بدأت وسائل الإعلام الأمريكية، تعبر عن شكوى مستخدمي وسائل الاتصال بما فيها الشبكة العالمية، من تزايد الرقابة على حياتهم الشخصية بموجب قانون مكافحة الإرهاب الذي تم تمريره عقب عمليات أيلول الكارثية!
وشر البلية، أن بلداننا العربية، قد تكون الأكثر تأثراً بهذه القضية، نظراً لأنها تشارك في مزودات (servers) ليست ملكها، ولا في داخلها. فقد أعلن أنصار الخصوصية، عن مخاوفهم الجدية من ازدياد التعاون بين الأجهزة الأمنية والقضائية، ومقدمي خدمات الإنترنت والاتصالات الأمريكية، مما يقوض الحريات المدنية والشخصية! وقد نشرت بعض وسائل الإعلام الأمريكية، أن الجهات الأمنية الأمريكية تفرض رقابة صارمة، على اتصالات العديد من مستخدمي الشبكة العالمية، في البلدان العربية، وخاصة في السعودية!
فقد جاء في تقرير نشره موقع (سي.إن. إن) على الشبكة العالمية، نقلاً عن آل غديري المحامي المدافع عن الخصوصية، وممثل شركات الاتصالات والإنترنت، إن الاتجاه البارز بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول الماضي هو انتهاك الخصوصية، وتجاوز الحريات الفردية.
وأضاف غديري أن طلبات الرقابة على المعلومات الشخصية في شركات الاتصالات والمعلوماتية قد زادت خمس مرات مقارنة بما قبل 11 أيلول الماضي. ويخشى أنصار الدفاع عن حق الخصوصية، في الولايات المتحدة الأمريكية، أن يؤدي قانون مكافحة الإرهاب إلى إجبار شركات الإنترنت والاتصالات على رقابة ما يتداوله عملائها من بيانات.
وقد أكدت سيدة تدعى شيلا كيلر بصفتها مسئولة عن مزود خدمات بريد إلكتروني مجاني في إحدى الولايات الأمريكية، أن طلبات الحصول على معلومات الزبائن الشخصية، من قبل الأجهزة الأمنية والقضائية، قد تضاعف خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. واعترفت أنها قد استجابت لطلبات خاصة بالرقابة على بعض صناديق البريد الإلكتروني الخاصة بمستخدمين في السعودية وعدد من البلدان الشرق أوسطية.
وهذا الأمر يأخذ أبعاداً كابوسية، بالنسبة للعرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية، لأنهم يخضعون لقانون "الأدلة السرية".
لذا فإن نظام "الوجه البريدي" قد يكون نقمة علينا بدلاً من أن يكون نعمة لنا! فالشيء الجيد يصبح شريراً عندما يسيطر عليه الأشرار! خاصة وأن "البشرية" تتجه نحو نوع جديد من "الديمقراطية" تحاكم الإنسان بأدلة لا يعرفها، ولا يستطيع بالتالي دحضها أو الرد عليها!