مشاهدة النسخة كاملة : الحلقة الثالثة > شخصيات تحت المجهر<
بسم الله الرحمن الرحيم
يتجدد القاء معكم أخواني في هذه السلسلة مع شخصيتين من عصرنا الحديث اعتنقت الفكر العصراني وهي إمتداد لما قبلها
من الشخصيات في الحلقات الماضية
وسيكون الدليل والمجهر الذي سيكشف لنا ذلك الفكر الضال لتلك الشخصيتين
الشيخ سليمان بن صالح الخراشي جزاه الله كل خير لدفاعه عن الحق...
وقبل التعرف على الشخصيتين أقدم لكم إختصار لمقدمة الكاتب عن التعريف بفكر العصرنة
إختصار مقدمة الكاتب
تعود جذور الطائفة "العصرانية" قديماً إلى مدرسة "المعتزلة" التي بالغت في تعظيم "العقل" البشري على حساب النص الشرعي.
أما حديثاً فتعود جذورهم إلى مدرسة الأفغاني ومحمد عبده التي تابعت المعتزلة في تعظيمهم للعقل على حساب النص الشرعي، وفاقتهم –نتيجة للصدمة
الحضارية مع الغرب- في تأويل كثير من حقائق الإسلام لتتوافق مع العصر -زعموا!- فوقعوا لأجل هذا في انحرافات خطيرة، بل أمور لا يشك مسلم في كفرها –والعياذ بالله-.
-يكمن داء العصرانيين منذ نشأتهم في "الهزيمة النفسية" التي لازمتهم عند احتكاك المسلمين في هذا العصر بالغرب المتفوق دنيوياً. فهذه الصدمة التي هزتهم أدت بهم إلى التنازل عن كثير من الحقائق الإسلامية التي ظنوها –لقصور عقولهم- تنافر تلك الحضارة الدنيوية. جاهلين أو متجاهلين أن الإسلام الصحيح لا يعارض أبدًا الحضارة الدنيوية النافعة، ومن ظن خلاف هذا فإنما أتي إما من جهله بالإسلام الصحيح الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو من ضعف عقله. وأيضاً من ظن هذا الظن السيئ بدين الله عز وجل فهو في الحقيقة -يطعن شاء أم أبى- في الإسلام وفي من ارتضاه ديناً خاتماً للأديان –سبحانه وتعالى-.
-وهذه "الهزيمة" أو "التنازل" ورط العصرانيين في أمر خطير جدًا؛ هو كراهية بعض ما أنزل الله عز وجل أو جاء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم تقبله عقولهم السقيمة أو ظنوه محرجاً لهم أمام الغرب المتفوق دنيويًا؛ متابعة للكفرة من اليهود والنصارى.
وقد قال الله محذرًا من الوقوع في هذا المسلك المشين الذي يؤدي بصاحبه إلى الردة عن دين الإسلام: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوَّل لهم وأملى لهم، ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزَّل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم، فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم).
-يلتقي أفرد هذه الطائفة في المسائل الآتية:
1- تقديسهم للعقل وتقديمه في كثير من الأحيان على نصوص الكتاب والسنة؛ التي يتكلفون ادعاء تناقضها مع عقولهم.
2- تأويلهم المتكلف لآيات القرآن الكريم، وحملها على أهوائهم.
3- تقسيمهم السنة النبوية إلى: تشريعية وغير تشريعية؛ ليتنصلوا من كثير من أوامره ونواهيه صلى الله عليه وسلم.
4- عدم قبولهم لحديث الآحاد في العقيدة؛ ليتسنى لهم رد كثير من الأحاديث النبوية التي لا تناسب عقولهم السقيمة؛ لاسيما في مجال الغيبيات.
5- دعوتهم إلى "الاجتهاد" غير المنضبط بضوابط الشرع، وما بينه علماء الإسلام في هذا الأمر. لاسيما دعوتهم المتكررة إلى التجديد في أصول الفقه، ومحاولتهم نسف كثير من قضاياه وقواعده –كما سيأتي-.
6- تهوينهم من شأن الحكم الإسلامي ووجوب تطبيق الشريعة الإسلامية في بلاد المسلمين، والتقائهم مع العلمانيين دعاة فصل الدين عن الدولة.
7- ردهم –عن طريق التأويل أو ترجيح الشاذ- لكثير من الأحكام الشرعية المتعلقة بالحدود.
8- تهوينهم من أمر الربا المعاصر "ما يسمى الفائدة!". وبعضهم يبيحه صراحة.
9- دعوتهم إلى "تحرير" المرأة المسلمة؛ من الحجاب الشرعي ومن كثير من الأحكام الشرعية المتعلقة بها.
10- إلغاؤهم أحكام أهل الذمة؛ لأنها –عندهم- تفرق بين أبناء البلد الواحد!!، واستبدالها بحقوق "المواطنة"! التي تساوي بين المواطنين! –كما يقولون- ساء ما يحكمون. مما يؤدي بهم إلى مودة الكفار، وتوليهم.
11- غلوهم في تمجيد الديمقراطية الغربية، والإدعاء بأنها ضرورة للعالم الإسلامي في مقابل ما يسمونه الحكومات الدكتاتورية. مع جهلهم أو تجاهلهم لطبيعة الدولة في الإسلام؛ والخلط بينها وبين ما يسمى "الحكومة الدينية" التي وجدت في أوربا.
12- تمجيدهم للفرق والشخصيات المنحرفة في التاريخ الإسلامي؛ وعلى رأسها "المعتزلة".
13- دعوة بعضهم إلى "توحيد الأديان" ! وتغييب التقسيمات الشرعية "المسلمين، الكفار" أو مفهوم الولاء والبراء ونحوها مما يعارض فكرتهم الخبيثة. مع تصريحهم بعدم كفر اليهود والنصارى!!
الشخصية الأولى ( محمد عمارة)
ترجمته :
- هو الدكتور محمد عمارة.
- ولد عام 1931م. حصل على الشهادة الابتدائية من معهد دسوق الديني عام 1949م، ثم الشهادة الثانوية من معهد طنطا (المعهد الأحمدي).
- التحق بدار العلوم وتأخر حصوله على شهادتها حتى عام 1965م بسبب سجنه بتهمة الانتماء إلى التنظيمات اليسارية.
- حصل على الماجستير عام 1970م وكانت رسالته حول "مشكلة الحرية الإنسانية عند المعتزلة".
- حصل على الدكتوراه عام 1975م وكانت رسالته حول "نظرية الإمامة وفلسفة الحكم عند المعتزلة".
- عمل باحثاً في وزارة الأوقاف، ومستشاراً في الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- متفرغ للعمل الفكري والتأليف.
مؤلفاته: كثيرة؛ منها :
1- القومية العربية ومؤامرات أمريكا ضد وحدة العرب.
2- فجر اليقظة القومية.
3- العروبة في العصر الحديث.
4- الأمة العربية وقضية الوحدة.
5- إسرائيل.. هل هي سامية؟
6- مسلمون ثوار.
7- عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين.
8- الإسلام والوحدة الوطنية.
9- قاسم أمين وتحرير المرأة.
10- محمد عبده، مجدد الإسلام.
11- جمال الدين الأفغاني، موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام.
12- عبد الرحمن الكواكبي: شهيد الحرية ومجدد الإسلام.
-كان الدكتور محمد عمارة في شبابه يسارياً متطرفاً إبان فترة توهج الفكر الماركسي اليساري في بلاد المسلمين، ثم تحول عنه في بداية السبعينات لما رأى -كما يدعي!- "سلبيته القاتلة" وأنه مجرد وافد على بلاد المسلمين، ومن ثم توجه عمارة إلى ما يسميه "الفكر العربي الإسلامي العقلاني المستنير".
-بعد رجوعه عن الفكر اليساري اتجه محمد عمارة إلى إحياء تراث المعتزلة قديماً والمدرسة العقلية (مدرسة الأفغاني ومحمد عبده) حديثاً.
يقول عمارة عن توجهه الجديد: "لقد استطعت أن أنجح في خلق(!) قارئ جديد. قارئ إسلامي ليس هو اليساري التقليدي، وليس هو الإسلامي التقليدي"! (رحلة في عالم الدكتور محمد عمارة، ص 107).
أي أنه حاول في توجهه الجديد أن يمزج الإسلام باليسارية التي كان يدين بها! بعد أن فشلت فشلاً ذريعاً في عالمنا الإسلامية –ولله الحمد-. وهذا دليل على بقاء تعلقه بذلك الفكر المنحرف واستنكافه وتكبره عن التراجع التام عنه -نسأل الله العافية وأن يرزقنا التوبة النصوح-.
انحرافاته :
1-غلوه في تعظيم العقل البشري القاصر:
يبالغ الدكتور عمارة –شأنه شأن أسلافه من المعتزلة وأتباعهم- في تمجيد العقل البشري القاصر وإنزاله محلاً رفيعاً يجعله حاكماً على النصوص الشرعية لا محكوماً لها؛ وهذا مما أداه إلى رد كثير من النصوص والأحكام الشرعية التي لا توافق عقله.
يقول عمارة متحدثاً عن شيوخه المعتزلة ومؤيداً لهم: "قالوا إن الأدلة أولها العقل؛ لأنه به يميز بين الحسن والقبيح" (الطريق..، ص100) ويقول: "إن مقام العقل في الإسلام مقام لا تخطئه البصيرة ولا البصر.." (التراث..، ص183)، ويقول: "إن الإسلام لا يمد نطاق علوم الوحي والشرع إلى كل الميادين الدنيوية التي ترك الفصل فيها والتغير لعلوم العقل والتجربة الإنسانية" (الدولة الإسلامية، ص172).
قلت: وللرد على شبهات العقلانيين –ومنهم محمد عمارة- في تعظيم العقل وتقديمه على النقل يراجع كتاب "محمد عمارة في ميزان أهل السنة والجماعة" (من ص140 إلى ص258).
وأكتفي هنا بنقل جميل عن الدكتور محمد رفعت زنجير ذكره في كتابه "اتجاهات تجديدية متطرفة" (ص57)، يرد به على معظمي العقل على حساب النقل: يقول الدكتور: "وقضية تقديم العقل على النقل مطروحة من أيام المعتزلة، ونحن لا نرى إقحام العقل في تفاصيل قضايا الإيمان بالغيب، وصفات الله، والمتشابهات، لأن العقل محدود العلم، وما يجهله أكثر مما يعرفه، فلا ينبغي له أن يتدخل فيما يجهله، لأنه سيقود إلى نتائج غير سليمة. ونضرب لذلك مثلاً: لو أن إنساناً قبل عصر الطيران قال إن البشر سيطيرون من شرق الأرض إلى غربها في يوم واحد، لاتهمه الناس بعقله، فالعقل لا يقول بإمكانية ذلك آنذاك، أما اليوم فمن أنكر ذلك فهو الذي يتهم بالخبل، فإذا كان العقل عرضة لتغيير أحكامه في أمور الدنيا تبعاً لمتغيراتها بين الأمس واليوم، فهو أكثر عرضة لتغيير آرائه بالنسبة للدين، يؤكد هذا أن الله تعالى كلما بعث نبياً، وأصلح الناس، قام الناس بعد رحيل نبيهم بتغيير المنهج وتحريف الرسالة، وهم يعتمدون في ذلك على ما تكن به نفوسهم ويخطر في عقولهم، ولو أنهم التزموا بما أنزل الله إليهم ولم يحرفوا، أو يبدلوا، لبقي المنهج سليماً، وساد الإصلاح، فالعقل قد يضل، أو يتبع الهوى، وليست جميع العقول مستنيرة".
2-اعتناقه واحياؤه لمذهب "المعتزلة":
سبق لنا أن الدكتور بعد أن ادعى الانخلاع من الفكر الماركسي لجأ إلى إحياء تراث فرقة المعتزلة بعد أن لفظته الأمة منذ قرون، محاولاً بذلك صرف شباب الأمة إلى هذه البدعة من جديد. يقول الدكتور ممجداً المعتزلة: "كان التوحيد بمعناه النقي المبرأ من الشبهات هو الذي دعا المعتزلة لنفي القدم عن القرآن…" (نظرة جديدة..، ص91)، ويخصص كتاباً كاملاً هو "المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية" لينصر فيه قولهم في القدر. ويقول عن شيخهم عمرو بن عبيد: "علامة بارزة على طريق تطور العقل العربي المسلم، وعلم من الأعلام الذين صنعوا النشأة الأولى للتيار العقلاني في تراثنا". (مسلمون ثوار، ص161)
ولبيان انحرافات المعتزلة بإمكان القارئ الرجوع إلى رسالة "المعتزلة وأصولهم الخمسة" للشيخ عواد المعتق –وفقه الله-.
3-اعتناقه واحياؤه لتراث تيار المدرسة العصرانية الحديثة:
وكما أحيا محمد عمارة تراث المعتزلة لتوافقه معهم في الغلو في العقل البشري على حساب نصوص الوحي، فإنه كذلك أحيا تراث أتباعهم في هذا العصر؛ وأعني بهم مدرسة الأفغاني ومحمد عبده العصرانية، الذي يقول محمد عمارة، عن تيارهم: "أبرز تيارات التجديد في حركة اليقظة العربية في العصر الحديث" (العرب والتحدي، ص291) ويدعو الأمة إلى التزامه.
ولهذا أشرف الدكتور على طباعة ما سماه الأعمال الكاملة لكل واحدٍ منهم؛ نظرًا لتوافقه معهم في انحرافاتهم التي سبق في المقدمة ذكرها، ومن أبرزها: دعوتهم إلى الوطنية، والعلمانية، والاشتراكية، وتحرير المرأة، والتقريب بين الأديان والمذاهب.. الخ
وكما سبق في مقدمة هذه المجموعة –أيضاً- فقد رد العلماء والباحثون على هذه المدرسة، وبينوا انحرافاتها، وأنها في حقيقتها "علمانية" مستترة، وسلاح بيد الأعداء لتغريب ومسخ بلاد المسلمين. فبإمكان القارئ الرجوع إلى ما ذكرته من المصادر.
4-من أخطر انحرافات محمد عمارة أنه لا يرى كفر اليهود والنصارى!!
بل هم في نظره مؤمنون مسلمون! كما ذكر ذلك في
كتابه "الإسلام والوحدة، ص60،70،71،625". وفي هذا مخالفة لما علم من دين الإسلام بالضرورة؛ لأن الأدلة من الكتاب والسنة صريحة في تكفير من تدين بدين سوى الإسلام، وعلى هذا أجمع المسلمون. قال شيخ الإسلام –رحمه الله-: "إن اليهود والنصارى كفار كفرًا معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام"( ). وقال ابن حزم في مراتب الإجماع: "واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفارًا"( ).
وقال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله-: "إن كل من زعم أن في الأرض ديناً يقبله الله سوى الإسلام فهو كافر لا شك في كفره". ومن أراد الأدلة التفصيلية فليراجعها في أصل الكتاب، وفي رسالة "الإعلام بكفر من ابتغى غير الإسلام" إعداد علي أبو لوز.
5-ومن انحرافات عمارة دعوته إلى "الوطنية"
التي تجمع المسلم بالكافر، وتجعله يتخذه ولياً من دون المسلمين من غير أهل الوطن، وقد قال تعالى (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء). ومع هذا يقول عمارة: "إيمان هذه الأمة بالوحدة الوطنية والقومية إيمان راسخ لا شك فيه"! (التراث..، ص234).
6-ومن انحرافات عمارة دعوته إلى القومية العربية
التي تجعله يوالي العربي الكافر على حساب المسلم غير العربي –كما سبق-، وقد خصص –هداه الله- كتاباً يدعو فيه إلى هذا الأمر، سماه "الإسلام والوحدة القومية".
ولبيان انحرافات هذه الفكرة: راجع كتاب الشيخ ابن باز –رحمه الله- عن القومية، وكتاب "فكرة القومية العربية على ضوء الإسلام" للشيخ صالح العبود.
7-ومن انحرافات عمارة دعوته إلى "العلمانية"!
وقد يتعجب البعض من هذا وهم يقرأون ويتابعون أن محمد عمارة يرد كثيرًا على من يسميهم "غلاة العلمانيين"، وقد خصص لهذا بعض كتبه ككتابه "العلمانية ونهضتنا الحديثة".
وسيزول عجب هؤلاء إذا علموا أن محمد عمارة يقسم العلمانية قسمين:
1- علمانية الغلاة؛ وهذه يرفضها ويرد عليها؛ وهي ما يسميه "العلمانية الغربية" التي تفصل الدين عن الدولة –كما يزعم-. (راجع كتابه: الدولة الإسلامية، ص64).
2- علمانية إسلامية! أو مستنيرة! وهي التي تقرر –كما يقول- أن "ما قضاه وأبرمه الرسول في أمور الدين عقائد وعبادات لا يجوز نقضه أو تغييره حتى بعد وفاته؛ لأن سلطانه الديني كرسول ما زال قائماً فيه. وسيظل كذلك خالداً بخلود رسالته عليه الصلاة والسلام. على حين أن ما أبرمه من أمور الحرب والسياسة يجوز للمسلمين التغيير فيه بعد وفاته؛ لأن سلطانه هنا قد انقضى بانتقاله إلى الرفيق الأعلى" !! (الدولة الإسلامية، ص76).
إذن فالدين عند عمارة لا دخل له في أمور السياسة والحرب؛ ومعلوم أن هذا يشمل: علاقة المسلمين بغيرهم، وأحكام الجهاد، وأحكام الخلافة والولاية، وأحكام الحسبة، وأحكام الاقتصاد.. الخ. وإنما يتدخل الدين في أمور العقائد والعبادات فقط! فإن لم تكن هذه هي العلمانية فلا ندري ما العلمانية؟! ولا فرق بينها وبين ما يسميه بعلمانية الغلاة، بل يستويان في حكم الشرع عليهما بالكفر.
8-ومن انحرافات الدكتور عمارة دعوته إلى الاشتراكية التي يسميها زورًا "بالعدل الاجتماعي"! كما في كتابه "الإسلام والثورة، ص53،54، 57،64،70،71".
وقد بين علماء الإسلام حكم الاشتراكية المستوردة من الشرق بما لا مزيد عليه؛ فليراجع مثلاً كتاب الشيخ عبد العزيز البدري –رحمه الله- "حكم الإسلام في الاشتراكية"، ورسالة الشيخ عبد الله بن حميد –رحمه الله- "الاشتراكية في الإسلام".
9-ومن انحرافات الدكتور: محاولته للتقريب بين أهل السنة والرافضة، كما في كتابه "عندما أصبحت مصر عربية، ص74، 113".
وقد بين العلماء عدم إمكانية مثل هذا التقارب الموهوم؛ لأنه لا توجد أرض مشتركة بين الطائفتين؛ طائفة الحق وطائفة الضلال، بل هما دينان مختلفان، إلا أن يكون ذلك على حساب أهل السنة بحملهم على التنازل عن كثير من عقائدهم إرضاء لأعداء الصحابة.
ومن أراد بيان استحالة مثل هذا الأمر وخطورته على أهل السنة؛ فليراجع رسالة الدكتور ناصر القفاري: "مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة".
10-ومن انحرافات الدكتور: دعوته إلى تغريب المرأة المسلمة،
متابعة منه للعصريين من أمثال قاسم أمين تلميذ الشيخ! محمد عبده. "انظر كتاب عمارة: الإسلام والمستقبل، ص99، 227، 237، 241" وكتابه الآخر عن المودودي (ص 371، 384، 385، 378، 380) حيث أباح سفورها واختلاطها وعملها في الفن والسياسة.. الخ.
وقد بين العلماء زيغ هذه الدعوة الماكرة وخطرها على نساء المسلمين ومجتمعاتهم في عدة رسائل ونصائح وتوجيهات. راجع منها: "عودة الحجاب" للشيخ محمد بن إسماعيل، و "حراسة الفضيلة" للشيخ بكر أبو زيد.
11-ومن انحرافات الدكتور: أنه يرى أن الجهاد في الإسلام للدفاع فقط وليس للطلب!
(انظر كتابه: الدولة الإسلامية؛ ص 136).
وهذا عين ما يردده المنهزمون الذين يريدون أن يُظهروا الإسلام أمام الناس بمظهر الوديع المسالم المتسامح! ولو أداهم ذلك إلى إلغاء شيء من أحكامه. ومن المحزن أن يتبنى هؤلاء فكرة قصر الجهاد في الإسلام على الدفاع فقط، رغم أن العدو لم يدعهم وشأنهم بل أصبح (يطلبهم) في ديارهم و"ما غزي قوم في دارهم إلا ذلوا".
ومن أراد الرد على هذه الفكرة المنهزمة فعليه بمحاضرة الشيخ ابن باز -رحمه الله- "ليس الجهاد في الإسلام للدفاع فقط"، وهي منشورة في فتاواه كما سبق.
12-ومن انحرافات الدكتور: عدم أخذه بحديث الآحاد الصحيح في مجال العقيدة
(انظر كتابه: الإسلام وفلسفة الحكم، ص 118)، كما هو مذهب أهل البدع الذين ردوا كثيرًا من عقائد الإسلام بهذه الشبهة. وللرد عليهم راجع رسالة الشيخ الألباني –رحمه الله-: "الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام.
13-ومن انحرافات الدكتور: لمزه لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- بأنها عادت الفلسفة وعلم الكلام!
(انظر كتابه: الطريق..، ص160).
ومعلوم أن هذه صفة مدح لا ذم! لأن علم الكلام والفلسفة علم مبتدع يحوي صنوفاً من الضلال، ويتناقض مع الإسلام، مهما حاول أصحابه ودعاته أن ينفوا ذلك. وقد بين هذا كثير من علماء الإسلام. راجع كتاب "ذم الكلام" للهروي.
14-ومن انحرافات الدكتور: لمزه المتكرر للدعوة السلفية.
يقول الدكتور: "نحن في مواجهة خطر السلفية النصوصية"! (المعتزلة..، ص5). (وانظر كتبه: نظرة جديدة..، ص13، والإسلام والمستقبل، ص249).
ثم يصيبك العجب عندما ترى الدكتور يدندن كثيرًا بأنه من دعاة "السلفية"! فهل السلفية الحقة إلا اتباع نصوص الكتاب والسنة؟!
والدعاوى ما لم تقيموا عليها بينات أصحابها أدعيــاء
15-ومن انحرافات الدكتور: طعنه في بعض الصحابة –رضي الله عنهم-؛
كمعاوية بن أبي سفيان –رضي الله عنه-؛ (كما في كتابه: الإسلام وفلسفة الحكم، ص 158). وهذا ليس بمستغرب من رجل متشرب لتراث المعتزلة أعداء الصحابة. ومعلوم –كما قال شيخ الإسلام- أن "من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم"( ).
16-ومن انحرافات الدكتور: مدحه للصوفية الملاحدة وأهل البدع .
يقول عمارة عن ابن عربي الصوفي: "ابن عربي في التصوف الفلسفي قمة القمم"! (التراث..، ص 291).
ويقول عن رأس الاعتزال عمرو بن عبيد: "علامة بارزة على طريق تطور العقل العربي المسلم.."! (السابق، ص 27).
ويقول عن غيلان الدمشقي القدري المعتزلي: بأن حياته كانت "نموذجاً فريداً…"! (مسلمون ثوار، ص 149). ولبيان حقيقة هذه الشخصيات المنحرفة وغيرها: راجع الأصل ( ص 653-670).
17-ومن انحرافات الدكتور: تمجيده وفخره "بالثورات"
التي قامت بها الطوائف المنحرفة في تاريخنا الإسلامي؛ كثورة الزنج، والعبيديين. ولبيان الحقيقة راجع الأصل (ص 671-676).
ختاماً: هذه أبرز انحرافات الدكتور محمد عمارة الذي اختار عند انخلاعه من اليسارية والاشتراكية أن يستبدل ذلك بما يسميه "التيار الإسلامي المستنير" ! الذي يلتقي أفراده على مجموعة من الانحرافات –سبق بيانها في مقدمة هذه المجموعة-، فأفسد ولم يُصلح؛ بل أشغل الساحة الإسلامية بخلافات ونزاعات كان في غنىً عنها لو ارتضى ما رضيه الله لعباده؛ من التزام شرعه واتباع كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على فهم السلف الصالح. ولكن (لله الأمر من قبل ومن بعد). نسأل الله لنا وله الهداية والتوفيق، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه.
الشخصية الثانية فهمي هويدي
تعريف بهويدي :
هو: محمود فهمي عبد الرازق هويدي.
ولد في 30 أغسطس عام 1937م، بمدينة الصف محافظة الجيزة.
متزوج وله 3 أبناء .
حصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة.
عمل محررًا بقسم الأبحاث بجريدة الأهرام عام 1958م.
ثم سكرتير تحرير سنة 1965م.
ثم مدير تحرير مجلة العربي الكويتية (1976-1982م).
ثم نائب رئيس تحرير مجلة أرابيا (1982-1984م).
ثم مساعد رئيس تحرير جريدة الأهرام 1984م.
يعمل حالياً بجريدة الأهرام.
مؤلفاته :
معظم مؤلفات فهمي هويدي مقالات صحفية سبق نشرها في عدة صحف ومجلات، يقوم هويدي بتصنيفها على هيئة موضوعات مختلفة، ثم تُطبع كل مجموعةٍ منها في كتاب مستقل أقرب إلى الصحيفة منه إلى الكتاب العميق المتأنى في كتابته.
وهذه قائمة بأسماء مؤلفاته :
1- القرآن والسلطان –ط2- 1402هـ –دار الشرق( ).
2- مواطنون لاذميون –ط2- 1410هـ –دار الشروق.
3- تزييف الوعي – دار الشروق.
4- حتى لا تكون فتنة – ط1- 1410هـ –دار الشروق.
5- إحقاق الحق –ط1 –1414هـ –دار الشروق.
6- التدين المنقوص.
7- المفترون –ط1 –1416هـ –دار الشروق.
8- مصر تريد حلاً –ط1- 1418هـ –دار الشروق.
9- إيران من الداخل –ط3 – 1408هـ –مركز الأهرام للترجمة والنشر.
10- الفتنة الكبرى –ط1991م –الفائز بجائزة علي وعثمان حافظ!
11- حدث في أفغانستان .
12- المسلمون في الصين.
13- أزمة الفكر الديني.
14- العرب وإيران .
15- أزمة الوعي الديني .
وهويدي –كما سبق- يكتب في عدة صحف ومجلات في آنٍ واحد؛ وهي على سبيل المثال:
1- جريدة الوطن الكويتية .
2- جريدة الشرق الأوسط .
3- جريدة الأهرام.
4- مجلة العربي الكويتية .
5- مجلة المجلة .
6- مجلة الحرس الوطني السعودية .
7- مجلة النور الكويتية .
8- مجلة المسلم المعاصر.
9- مجلة البنوك الإسلامية.
10- مجلة الموقف اللبنانية .
11- مجلة المختار الإسلامي.
تصريحه بانتمائه إلى المدرسة العصرانية:
يقول هويدي: "قد أزعم أنني أنتمي إلى مدرسة في الفكر الإسلامي تدين هذا الموقف وتخاصمه، وتعتبر أن الحرية هي أثمن ما جاء به الإسلام، وأن التوحيد قرين التحرير"( ).
ويقول: "إن أحد الأوجه المضيئة للظاهرة الإسلامية ظل غائباً أو مغيباً عن الخرائط السياسية المعتمدة، ومن ثَمَّ عن الوعي العام في جملته، وغاية ما ظهر معتبرًا عن ذلك الوجه هو عطاء نفر من الناس الذين قدموا كتابات وأبحاثاً جليلة في إثراء المشروع الحضاري الإسلامي بمختلف مجالاته"( ).
ويصرح هويدي بانتمائه إلى مذهب أفراد المدرسة العقلانية –ومن ضمنهم الكواكبي( )- فيقول: "نحن –بالمناسبة- على مذهب شيخنا عبد الرحمن الكواكبي في قوله: إن أصل الداء، وأُس كل بلاء في الشرق هو الاستبداد السياسي، ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية"( ).
وعلى صفحات جريدة "الأهرام" المصرية( ) يمدح هويدي وثيقة إسلامية طبعها د. أحمد كمال أبو المجد أحد رموز العصرانية بعنوان "رؤية إسلامية معاصرة"( )، وهي –كما سيأتي إن شاء الله- ملخص للأفكار الرئيسة التي يلتقي عليها العصرانيون تكفل بصياغتها لهم أبو المجد، وأثنى عليها هويدي، وشيخهم القرضاوي( )!
ويتأسف هويدي على كون أفراد هذا التيار ما زالوا مشتتين. يقول هويدي: "أما الذين حاولوا التجديد عن طريق تثبيت الدين واستهدفوا إعلاء كلمته، ورفع الحرج عن المسلمين، هؤلاء لا يزالون أفرادًا مشتتين، ترتفع أصواتهم هنا وهناك، وكثيرًا ما تضيع صيحاتهم وسط ضجيج العصر وهدير الأمة"( ).
ويقول مؤكدًا أهمية هذا التيار: "إن ساحة العمل الإسلامي ظلت تفتقر إلى التيار الناضج الذي يقود الجماهير المؤمنة"( ).
ويقول عن ارتباط هذا التيار بمدرسة محمد عبده: "لكن ما ينبغي أن يلفت انتباهنا حقاً هو أن هذا النهج في تناول الموضوع ليس الوحيد المطروح في الساحة، وإنما هناك آخرون كتبوا في الموضوع ذاته، وكانوا أفضل تعبيرًا عن تعاليم الإسلام الداعية إلى البر والتآلف، من الإمام محمد عبده في بداية القرن، إلى الشيخين محمد الغزالي ويوسف القرضاوي"( ).
ويقول عن الغزالي والقرضاوي: "اثنين من أبرز فقهائنا وعلمائنا المعاصرين"( ).
ويسمي القرضاوي: "أحد أعلام الاجتهاد في زماننا"( ).
ويقول عنه: "لقد سمعت من الدكتور يوسف القرضاوي، وهو بالمناسبة من الأصوليين المنحازين إلى الديمقراطية والتعددية.." ( ).
ويقول عنه: "الدكتور يوسف القرضاوي الفقيه الكبير"( ).
ويعرض في مقالاته كتابيه: "كيف نتعامل مع السنة النبوية" و"أولويات الحركة الإسلامية"( ).
وينقل عنه في نقد الدولة الدينية( )، وفي مقال له بمجلة العربي الكويتية عرض هويدي كتاب القرضاوي "الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف" مثنيًا عليه، ومروجًا له( ).
ويقول عن كتاب الغزالي "السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث": "إن الكتاب صدرت منه 8 طبعات في مصر، كما صدر في طبعات خاصة ظهرت في الأردن والجزائر، وتُرجم إلى الإنجليزية، وطُبع ثلاث مرات في إنجلترا، وفي الوقت ذاته فقد صدرت له ترجمات بالإنجليزية في الهند وباكستان، وفي زيارتي الأخيرة لماليزيا وجدته مترجماً إلى اللغة الملاوية!
هذا الرواج يعني مباشرة أن هناك حالة من التعطش الشديد لاستجلاء الوجه الحقيقي للإسلام، الذي حاول الكتاب أن يقوم به"( ).
هذه بعض أقوال هويدي التي تبين للقارئ أنه مجرد (صحفي) (عصراني) يؤيد هذا التيار بما آتاه الله من حُسن بيان، ولكن عمدته ومرجعه في الأمور العلمية والفقهية هما الغزالي القرضاوي، فهو مجرد ناقل لأقوالهما واختياراتهما، وناشر لها على نطاق واسع، بسبب خبرته الصحفية، وكثرة مقالاته!
فهمي هويدي والكفار:
يقول هويدي: "وحدة الأصل الإنساني ثابتة في نصوص القرآن الكريم، والمساواة والأخوة بين بني البشر، والقداسة التي أحيطت بها كرامة الإنسان بصرف النظر عن دينه أو جنسه من الأمور الثابتة في نصوص القرآن والسنة، أما التفاضل بين الناس في الآخرة فله معايير أخرى"( ).
ويقول: "إن الأمر الهام هو أن حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والمساواة بين البشر جميعاً، هذا كله مقرر في الإسلام على أساس العقيدة، وليس من مسائل الاجتهاد والنظر"( ).
ويقول: "إن التفرقة بين البشر فيما هو دنيوي حسب اعتقادهم أو جنسهم أو لونهم ليس من منهج القرآن في شيء، إذ القاعدة هي المساواة، والجميع في ديار الإسلام أمة واحدة، والخلق كلهم (عيال الله) بالتعبير النبوي، فضلاً عن أن الناس خلقوا (من نفسٍ واحدةٍ) بالتعبير القرآني( ).
ويقول: "لابد من الاعتراف بأن هناك إحياءً دينيًا على الجانبين –الإسلامي والمسيحي- في مصر، الأمر الذي كان ينبغي أن يُقابل بما يستحقه من حفاوة مصحوبة بجهود جادة وحثيثة لاستثمار ذلك الإحياء، لكي يُصبح قاعدة لنهضة إيمانية تستهدف إشاعة المودة والتراحم بين الناس، وعمارة الدنيا مع عمارة الآخرة"( ).
ويقول أيضاً: "إن الذين قالوا بأن غير المسلم يعتبر مواطناً من الدرجة الثانية في المجتمع الإسلامي، لم يورد أحدهم نصًا شرعيًا يستند إليه في دعواه"( )!
ويرى هويدي: "إن ديار المسلمين ينبغي أن تظل ملكًا للمسلمين وغير المسلمين، بغير تسلط ولا أفضلية من أحد على أحد، لأنه لا فضل لإنسان على إنسان إلا بتقواه وعمله الصالح"( ).
ويرى هويدي أن آية (أفنجعل المسلمين كالمجرمين)، "تتحدث عن الآخرة وليس الدنيا"( ).
فليس فيها دليل على عدم المساواة مع الكفار!
هويدي لا يرى كفر اليهود والنصارى!!
يقول هويدي: "إن المسلمين في لغة القرآن الكريم هم المؤمنون بالله الواحد، وليسوا أتباع دين خاص، كما يقرر الشيخ محمد دراز في كتابه الهام حول (الدين)" ( ).
هويدي يرى أن للكفار الطعن في الإسلام!!
يقول هويدي عن أهل الذمة الذين يعيشون في ديار المسلمين: "سيكون لهم الحق في انتقاد الدين الإسلامي مثل ما للمسلمين لنقد مذاهبهم ونِحَلهم"( ).
هويدي يرى أن الجزية بدلٌ عن حماية الدولة الإسلامية للذمي، فإذا شارك معهم في الجهاد سقطت عنه !
يقول هويدي: "حقيقة الأمر هي أن الجزية بدل عن حماية الدولة الإسلامية للذميين لإعفائهم من واجب الدفاع عن دار الإسلام"( ).
هويدي يرى أن الحرب في الإسلام هي للدفاع فقط:
يقول هويدي: "إن طريق الدعوة لا يمر بساحة الحرب في أي موضع وتحت أي اعتبار، وينبغي أن لا يمر"( ).
ويقول: "قد خلق الله الناس شعوبًا وقبائل ليتعارفوا –بنص القرآن- لا ليتعاركوا ويتنابذوا، كما يتوهم البعض. والاستثناء الوحيد الذي يرد على هذه القاعدة هو أن يقع على المسلمين ظلم أو عدوان من جانب الآخرين"( ).
هويدي ينكر وجود (دار الحرب):
يقول هويدي: "قد نشأ تعبير دار الإسلام منذ اعتبرت دار الهجرة –المدينة- في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هي دار الإسلام. (فلما أسلم أهل الأمصار صارت البلاد التي أسلم أهلها هي بلاد الإسلام، فلا يلزمهم الانتقال منها). وبالمقابل، ظهرت دار الحرب، وهو ما عبر عنه ابن حزم بقوله: (وكل موضع سوى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان ثغرًا، ودار حرب ومغزى جهاد).
وقد أدى شيوع هذا التعبير في كتب الفقه والسير والتاريخ، إلى تبني بعض الفقهاء والباحثين المعاصرين لفكرة أن معيار تحديد الآخرين ينبني على اعتقادهم، وكونهم مسلمين أم غير مسلمين.
وفي هذا الصدد كتب الأستاذ أبو الأعلى المودودي "أن الدولة الإسلامية تقسم القاطنين بين حدودها إلى قسمين: قسم يؤمن بالمبادئ التي قامت عليها الدولة، وهم المسلمون. وقسم لا يؤمن بتلك المبادئ، وهم غير المسلمين".
وفي الاتجاه ذاته كتب الدكتور عبد الكريم زيدان أن "الشريعة تقسم البشر على أساس قبولهم للإسلام أو رفضهم له، بغض النظر عن أي اختلاف بينهم".. ويستخرج من بعض آيات القرآن الكريم "أن الناس أحد اثنين: إما مؤمن برسالة الإسلام، وهو المسلم، وإما كافر بها، وهو غير المسلم".
غير أن هذا المعيار العقيدي لقسمة الناس ليس الأوحد المأخوذ به. فالأحناف والزيدية يرون أن القضية الفاصلة توفر عنصر "الأمان" بالنسبة للمقيمين فيها. فإذا كان الأمن فيها للمسلم على الإطلاق، فهي دار إسلام، وإن لم يأمنوا فيها فهي دار حرب. ومن الباحثين من يذهب إلى القول بأنه إذا تحقق الأمان للمسلمين، وإذا أقيمت الشعائر الإسلامية أو غالبها كانت البلاد دار إسلام، حتى ولو تغلب عليها حاكم كافر.
وأستاذنا الدكتور عبد الوهاب خلاف يؤيد الرأي القائل بأنه "ليس مناط الاختلاف الإسلام وعدمه، وإنما مناطه الأمن والفزع"، وهو ما يصفه "بانقطاع العصمة". وهو ما يؤيده أيضاً الدكتور صبحي محمصاني، في قوله: إن الإسلام "لم يميز بين المسلمين وغير المسلمين على اعتبار اختلاف الدين، كما لم يميز بين المواطنين والأجانب على أساس جنسيتهم أو تابعيتهم. فلذا، من الخطأ الناتج عن الجهل والتضليل، زعم بعض الكتاب أن صفة المواطن كانت للمسلمين وحدهم، وأن غير المسلمين كانوا جميعاً من الأجانب".
ويقول في موضع آخر، إن الإسلام "لم يتعرف إلى فكرة الجنسيات، بل صنف الناس على أساس صفة المسالمة والمحاربة، ووزعهم من ثم بين مسالمين وهم الأصل، وحربيين وهم المستثنى، ثم اعتبر الحربيين وحدهم أجانب بطبعهم، واعتبر بلادهم بلاد العدو أو دار الحرب".
وهذا المعيار الثاني هو الأقرب إلى المنطق الذي عالج به الرسول صلى الله عليه وسلم مسألة الآخرين، فضلاً عن أنه المنطق الأكثر قبولاً حتى في لغة الواقع المعاصر.
ودليلنا الأول على ذلك من السيرة النبوية ذاتها. فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما وقع أول معاهدة مع "الآخرين"، من قبائل العرب الأخرى واليهود، نصت المعاهدة التي تعد أول دستور للدولة في الإسلام، على "أن يهود بني عوف أمّة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم".
هنا لم يوضع غير المسلمين في مربع دار الحرب، ولكنهم كانوا مع المسلمين "أمة واحدة"، ما داموا مسالمين.
وهنا لم يكن الدين هو الحد الفاصل بين دار الإسلام ودار الحرب، إنما كانت المسألة هي المعيار الذي أخذ به.." ( )
هويدي يرى جواز موالاة اليهود والنصارى:
يقول هويدي: "المستقر بين أهل الفقه أن النهي عن (الموالاة) مقصود به أعداء الإسلام الذين يكيدون له، وليس من أهل الكتاب"( ).
ويقول: "إن الموالاة المنهي عنها شرعًا –كما أفهمها- هي تلك التي تتم على حساب مصالح المسلمين أو عقيدتهم، وإن المسلم مدعو لأن يكون عونًا لكل جهد يستهدف الخير والبر والإصلاح، وقد أيد الرسول عليه الصلاة والسلام حلف الفضول الذي أقامه بعض مشركي قريش لنصرة أحد المظلومين، بينما كان النبي يوسف عليه السلام وزيرًا في حكومة فرعون مصر"( ).
هويدي يدعو إلى إقامة معابد الكفار في (جميع) بلاد المسلمين:
يقول هويدي: "إننا نستطيع القول في ثقة تامة بأنه لن ينتقص شيء من أعلام الإسلام، إذا ما أقيمت على أرض الإسلام معابد لغير المسلمين، تماماً كما لم ينتقص شيء من مسجد رسول الله حينما استضاف فيه وفد نصارى نجران وحاورهم في رحاب المسجد، وأذن لهم بالصلاة فيه جنبًا إلى جنب مع المسلمين"( ).
تعليق:
هذه –أخي المسلم- أبرز المسائل التي خالف هويدي فيها الصواب في قضية (أهل الذمة وحقوقهم) واختار جانب تقديم التنازلات الكثيرة على حساب النصوص الشرعية وإجماع الأمة بغية الظهور بمظهر المفكر (العقلاني) (الوسطي) (الحضاري) … إلخ.
وليته –هداه الله- اكتفى بالجنوح لتبني هذه الآراء الشاذة دون أن يُعَرض لقرائه بأن قوله هو القول الذي يُمثل قول جمهور علماء الأمة قديمًا وحديثًا! إذاً لهان الخطب، لأننا لا نملك أن نردّ كل ضال عن أن يصرِّح بقناعاته التي تعلق بها.
فهويدي قد جمع بين اختيار القول الشاذ أو الباطل المخترع، وبين نسبة ذلك زورًا إلى الفئة العظمى من علماء الأمة.
فما الذي دعاه لذلك؟ وما هي شبهاته التي ساقته إلى المجاهرة بتلكم الآراء الغربية؟ هذا ما سنعرفه الآن من خلال تتبع كتاباته.
الشبهة الأولى:
احتجاجه بآيات تكريم الإنسان في القرآن.
تعقيب :
يخلط هويدي هنا خلطًا عجيباً، حيث يزعم أن آية تكريم الإنسان (ولقد كرّمنا بني آدم) ( ) فيها دليل على مساواة المسلم بالكافر!!
ولا يعلم بأن هذه الآية واردة في الإنسان من حيث هو إنسان، حيث كرمه وفضله على غيره من المخلوقات، ويسرَّ له أسباب السير في البر والبحر، ورزقه من الطيبات.
فكان الواجب على هذا الإنسان أن يشكر ربه على هذا التكريم وهذه النعم الكثيرة، فيتبع رسله، ويطيع أوامره، ويجتنب نواهيه، ويوحده حق توحيده، ويقوم بعبادته –سبحانه وتعالى-.
فأما إذا لم يفعل هذا واختار الكفر على الإيمان والمعصية على الطاعة، فإن هذا التكريم للنوع الإنساني ليس بنافعه، لأنه سيكون من المهانين عند الله تعالى عندما بدل نعمته كفرًا.
ومثال هذا –ولله المثل الأعلى-: أن يقوم ملك من الملوك بتكريم بعض عبيدة وإعطائهم ما يحتاجونه في معيشتهم ويميزهم على غيرهم من عبيدة الآخرين ثم يطلب منهم أن يعملوا له عملاً من الأعمال جزاء هذا التكريم، فبعضهم لم يقم بهذا العمل بل عصى الملك وخالف أمره، فما ظنكم؟ هل يساوي الملك بين الطائفتين: العاملة والمقصرة!؟ أم يقول لمن عصاه بأنني نعم قد كرمتكم وفضلتكم على غيركم ولكنكم لم تراعوا هذه النعمة، بل استخدمتموها في معصيتي ومخالفة أمري، فلهذا ليس لكم عندي إلا الإهانة وعدم مساواتكم بالطائعين!؟
فهكذا الإنسان كرَّمه الله وفضله على كثير من خلقه، ثم طلب منه اتباع أمره واجتناب نهيه، فإن أجاب بقي على تكريمه السابق، وإن لم يجب انقلب ذاك التكريم إلى مهانة.
وقد اختلفت أقوال المفسرين في هذا (التكريم) ما هو؟ فقال ابن جرير الطبري: "(ولقد كرَّمنا بني آدم) بتسليطنا إياهم على غيرهم من الخلق، وتسخيرنا سائر الخلق لهم"( )، "(وفضّلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلاً) ذُكر لنا أن ذلك تمكنهم من العمل بأيديهم، وأخذ الأطعمة والأشربة بها، ورفعها بها إلى أقواهم، وذلك غير متيسر لغيرهم من الخلق( ).
وقال ابن كثير في تفسير الآية: "يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها. كقوله (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) أن يمشي قائماً منتصباً على رجليه ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع، ويأكل بفمه، وجعل له سمعًا وبصراً وفؤاداً يفقه بذلك كله وينتفع به ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية"( ).
وقال الشوكاني: "هذه الكرامة يدخل تحتها خلقهم على هذه الهيئة الحسنة، وتخصيصهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس على وجه لا يوجد لسائر أنواع الحيوانات مثله"( ).
وقال القرطبي: "الصحيح الذي يعوَّل عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف"( ).
وقال سيد قطب: "ذلك وقد كرم الله هذا المخلوق البشري على كثير من خلقه، كرمه بخلقته على تلك الهيئة، بهذه الفطرة التي تجمع بين الطين والنفخة، فتجمع بين الأرض والسماء في ذلك الكيان!
وكرمه بالاستعدادات التي أودعها فطرته؛ التي استأهل بها الخلافة في الأرض، يغير فيها ويبدل، وينتج فيها وينشئ، ويركب فيها ويحلل، ويبلغ بها الكمال المقدر للحياة.
وكرمه بتسخير القوى الكونية له في الأرض وإمداده بعون القوى الكونية في الكواكب والأفلاك.
وكرمه بذلك الاستقبال الفخم الذي استقبله به الوجود، وبذلك الموكب الذي تسجد فيه الملائكة ويعلن فيه الخالق جل شأنه تكريم هذا الإنسان!" ( ).
وقال ابن الجوزي: "فإن قيل: كيف أطلق ذكر الكرامة على الكل، وفيهم الكافر والمهان؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه عامل الكل معاملة المكرَم بالنعم الوافرة.
والثاني: أنه لما كان فيهم من هو بهذه الصفة، أجرى الصفة على جماعتهم، كقوله (كنتم خير أمةٍ أُخرجت للناس) ( )"( ).
قلت: والأولى أن يقال ما سبق أن ذكرته، وهو أن الإنسان مكرَّمٌ من حيث هو إنسان، ومفضل على غيره من المخلوقات، أما إذا كفر وأعرض فإنه يكون مهاناً عند الله، ولا ينفعه تكريمه السابق، فهذا التكريم كالولد والمال فإنها من نعم الله على الإنسان، ولكنها لا تقرِّب الإنسان زلفى عند الله، إلا من آمن واستغل ذلك كله في طاعة الله، كما قال سبحانه: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن) ( ).
أقول هذا ليكون هناك عدم تعارض بين هذه الآية وآيات (إهانة) الكفار –كما سيأتي0.
أما هويدي فإنه عندما أحس بهذا التعارض الذي سيُبطل قوله أخفى آيات (الإهانة) ولم يتعرض لها! وهذا دأب أهل البدع يذكرون الذي يظنونه مؤيداً لبدعتهم، ويخفون ما ينقضها ولا يذكرونه، بخلاف أهل السنة الذين وفقهم الله –تعالى- للعمل بآياته كلها موفقين بينها.
أما الآية الثانية التي ظن هويدي أنها تشهد لبدعته فهي قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) ( ) فهي كالآية السابقة، يخبر فيها الله –عز وجل- بأنه قد خلق الإنسان في صورة حسنة، وهيئة كاملة.
قال ابن كثير: "في أحسن صورة، وشكل منتصب القامة، سوي الأعضاء، حسنها"( ).
وفي هذه الآية ردٌ بليغ على هويدي ولكنه لم ينتبه له، أو تعمد إغفاله! ولهذا حجب ما بعد هذه الآية ولم يذكره، لأنه يعود على قوله بالنقض، حيث قال الله بعد هذا الخلق الحسن (ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ( ).
قال ابن كثير –رحمه الله-: "(ثم رددناه أسفل سافلين) أي إلى النار، قاله مجاهد وأبو العالية والحسن وابن زيد وغيرهم: ثم بعد هذا الحُسْن والنضارة مصيرهم إلى النار إن لم يطع الله ويَتَّبع الرسل، ولهذا قال (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)" ( ) .
أما من قال بأن قوله تعالى: (ثم رددناه أسفل سافلين) ( ) أي إلى أرذل العمر فقد رده ابن كثير بقوله: "لو كان هذا المراد لما حَسُن استثناء المؤمنين من ذلك، لأن الهَرَم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكره، كقوله: (والعصر، إن الإنسان لفي خُسرٍ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ( )"( ).
قلت: فتأمل قوله ما أحسنه، وهو رد مفحم على هويدي بنفس الآية التي احتج بها على بدعته! ولكنه شابه اليهود بإخفاء آخرها.
أما احتجاج هويدي بقوله تعالى: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) ( )، وقوله (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) ( )، وقوله (فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)( ) فهو من أعجب العجب، لأن هذه الآيات واردة في آدم –عليه السلام- وأن الله قد كرمه باسجاد الملائكة له، فما دخل (تكريم) الكفار بهذا!؟ وهل يلزم من تكريم أبينا آدم –عليه السلام- أن يكون جميع أبنائه –مسلمهم وكافرهم- مكرَّمين!؟ لا يقول هذا عاقل، لأن ابن آدم لصلبه عندما قتل أخاه لحقه من الذم ما لحقه، وقال فيه صلى الله عليه وسلم: "لا تُقْتل نفس ظُلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل"( ).
فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد قال هذا عن ابن آدم لصلبه، فما حال أبنائه الآخرين ممن بدَّل وأعرض عن الهدى؟
قلت: ما سبق كان ردًا على الشبهة الأولى التي احتج بها هويدي، وبقي في نقضها أن يقال:
1-ما قول هويدي في آيات (الإهانة) للكافرين والمعرضين، وكيف يوفق بينها وبين هذا (التكريم) المزعوم للجميع الذي يراه هويدي؟
فقد وردت عدة آيات تدل على أن الله قد أهان الكفار وأذلهم ولم يكرمهم سواء في الدنيا أم في الآخرة، فمن ذلك قوله تعالى: (ومن يُهن الله فما له من مُكرمٍ) ( )، فدل على أن هناك من يهينه الله، فإذا أهانه لم يكن من (المكرمين).
وقال تعالى عن بعض الكفار في الدنيا (فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون) ( ).
وقال عنهم في الآخرة (اليوم تُجزن عذاب الهُون) ( )،(فاليوم تُجزون عذاب الهُون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون)( )، (وللكافرين عذابٌ مُهين)( )،(ولهم عذابٌ مُهين)( )،(ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مُهين)( )،(والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا فأولئك لهم عذابٌ مهين)( )،(ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علمٍ ويتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مُهين)( )،(وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين)( )، (وأعتدنا للكافرين عذاباً مُهيناً)( )،(إن الله أعدّ للكافرين عذاباً مهيناً)( )، (وأعدّ لهم عذاباً مُهيناً)( )،(يُضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً)( )، وقال عن المنافقين (اتخذوا أيمانهم جُنَّة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذابٌ مُهين) ( )، فما قول هويدي في هذه الآيات!؟
2-وردت عدة آيات في التفريق بين المسلمين والكافرين، أو بين المؤمنين ومن يعمل السيئات، وذم من يسوِّي بينهم، وهذه الآيات لم يتعرض لها هويدي لأنها تهدم قوله بالمساواة بين المسلمين والكافرين، فلهذا اختار أن لا يقربها!
فمن ذلك قوله تعالى: (قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور) ( ) أي المؤمن والكافر، وقال (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون) ( )، وقال (قل لا يستوي الخبيث والطيب) ( )، وقال (وما يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور) ( )، وقال (وما يستوي الأحياء ولا الأموات) ( )، وقال (وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء) ( )، وقال (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) ( )، وقال (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلاً) ( ).
وقال سبحانه (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) ( )، وقال (أفنجعل المسلمين كالمجرمين، ما لكم كيف تحكمون) ( ).
فإن تعنت هويدي وقال بأن هذه الآيات واقعة في الآخرة وليس في الدنيا!
قلنا له:
أولاً: لم يقل أحد من المسلمين بقولك هذا، وإنما فهموا من هذه الآيات أنها عامة في الدنيا والآخرة حيث لا يتساوى المسلم والكافر عند الله، كما لا يتساوى المؤمن ومن يعمل السيئات.
ثانياً: ورد من آيات الإهانة للكفار في الدنيا ما ينقض قولك هذا.
ثالثاً: قد وردت آية في كتاب الله تُلقمك الحجر، حيث بينت خطأ من ساوى بين الفريقين في الدنيا والآخرة.
قال تعالى (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) ( ).
قال ابن كثير –رحمه الله-: "يقول تعالى لا يستوي المؤمنون والكافرون كما قال عز وجل (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون)، وقال تبارك وتعالى (أم حسب الذين اجترحوا السيئات) أي عملوها، (أن نجعلهم كالذين أمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم ومماتهم) أي نساويهم بهم في الدنيا والآخرة (ساء ما يحكمون) أي ساء ما ظنوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة وفي هذه الدار"( ).
فلهويدي نصيب من هذا الظن السيء بربه حيث ظن أن الله مساوٍ بين المسلمين والكافرين في هذه الدنيا، وفي الآخرة( ).
الشبهة الثانية :
احتجاجه بأن نفوس الكافرين كغيرها من النفوس، فلماذا التفرقة!؟
تعقيب:
أما قتل النفس الإنسانية (بغير حق) فهو من الظلم البيِّن الذي لا يجوز، ولكن ما دخل هذا بمساواة المسلمين بالكافرين!؟ إن قال هويدي بأنه لا يجوز قتلهم كما لا يجوز قتل المسلمين، وهذا دليل تساويهم.
نقول له: عدم قتلهم ليس لأجل كفرهم! بل إن كفرهم هو سبب قتلهم! وأنت عكست القضية. لأن المسلمين مطالبون بنشر الدعوة وقتال الكافرين وقتلهم –كما سيأتي- حتى يدينوا بالإسلام أو يرضوا بإعطاء الجزية والدخول تحت ذمة المسلمين فعندها يُكفُّ عنهم وتُصان أرواحهم وعندها يكون لهم نصيب من هذه الآية التي استشهد بها هويدي (من قتل نفسا…)( )، لأن من قتلهم بعد ذلك فقد اعتدى عليهم وظلمهم، لأنهم قد دخلوا في ذمة المسلمين، فكانت أرواحهم مصانةً لا يجوز التعدي عليها، وهذا من كمال عدل الإسلام.
فليس عدم قتلهم، أو تعظيم قتلهم، هو بسبب (كفرهم) كما يظنه هويدي، وإنما سبب ذلك أنهم بذلوا الجزية وخضعوا لسلطان الإسلام، فلم يعد لنا سبيل عليهم إلا بأن ينقضوا عهد الذمة –كما سيأتي-.
أما احتجاج هويدي بأنه صلى الله عليه وسلم قام لجنازة يهودي وقال: "أليست نفسًا" فهذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: "أليست نفسًا"( ).
وليس فيه أنه صلى الله عليه وسلم قام لها "تحيةً واحترامًا" كما يزعم هويدي!! بل هذا من تلبيسه على القراء.
وهذا الحديث الذي احتج به هويدي قد روي بعدة روايات تبين علة قيام النبي صلى الله عليه وسلم، وأطال العلماء في شرحه توضيحًا لمعناه لكي لا يتأوله متأول على غير مراد النبي صلى الله عليه وسلم كما فعل هويدي!
فقد رواه مسلم من طريق آخر أنه قيل له صلى الله عليه وسلم: إنها يهودية، فقال: "إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا"( ).
قال الحافظ ابن حجر: "قال القرطبي: معناه أن الموت يُفزع منه، إشارة إلى استعظامه. ومقصود الحديث أن لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت، لما يُشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فمن ثَمَّ استوى فيه كون الميت مسلماً أو غير مسلم"( ).
قال الحافظ: "وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يقلق من أجلها ويضطرب، ولا يظهر منه عدم الاحتفال والمبالاة"( ).
قال: "قوله "أليست نفسًا" هذا لا يعارض التعليل المتقدم حيث قال: "إن للموت فزعًا" على ما تقدم، وكذا ما أخرجه الحاكم من طريق قتادة عن أنس مرفوعاً فقال: "إنما قمنا للملائكة"، ونحوه لأحمد من حديث أبي موسى، ولأحمد وابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا "إنما تقومون إعظاماً
للذي يقبض النفوس" ولفظ ابن حبان "إعظامًا لله الذي يقبض الأرواح" فإن ذلك أيضاً لا ينافي التعليل السابق، لأن القيام للفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله، وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك وهم الملائكة.
وأما ما أخرجه أحمد من حديث الحسن بن علي قال: "إنما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تأذيًا بريح اليهودي" زاد الطبراني من حديث عبد الله بن عياش بالتحتانية والمعجمة "فآذاه ريح بخورها" وللطبراني والبيهقي من وجه آخر عن الحسن "كراهية أن تعلو رأسه" فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة.
أما أولاً: فلأن أسانيدها لا تقاوم تلك في الصحة، وأما ثانياً: فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم فكأن الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل منه فعلل باجتهاده.
وقد روى ابن أبي شيبة من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه يزيد بن ثابت قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلعت جنازة، فلما رآها قام وقام أصحابه حتى بعدت، والله ما أدري من شأنها أو من تضايق المكان، وما سألناه عن قيامه"( ).
قلت: فقيامه صلى الله عليه وسلم ليس "تحية واحترامًا" لجنازة اليهودي كما يدعي هويدي!! وإنما هو قيام لأجل الفزع من أمر الموت الذي لا ينبغي للمرء أن يتلهى عنه، وأن يعتبر به، ولو كان في جنازة يهودي، لأن عدم القيام يدل على عدم المبالاة بأمر الموت.
الشبهة الثالثة :
قوله: "وقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام في صلاة آخر الليل: "اللهم إني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، وأن العباد كلهم إخوة" (أبو داود)".
والجواب: أن هذا الحديث الذي احتج به هويدي على أخوة الكفار للمسلمين! حديث ضعيف( )، استفاده هويدي من شيخه القرضاوي الذي احتج به في هذا الموضوع في عدة كتب له( )، ولو صح فإنه يحمل على أن "العباد" هم المسلمون المؤمنون؛ لكي لا يعارض النصوص الشرعية الصريحة في إبطال الأخوة بين المسلمين والكفار.
الشبهة الرابعة :
احتجاجه( ) بقوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم) ( )، وقوله تعالى: (وإذا حُيّيتم بتحيةٍ فحيّوا بأحسن منها) ( )، وقوله تعالى: (فاصفح عنهم وقل سلام)( )، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام" رواه أبو داود، وحديث عبد الله بن عمر: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: "تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" متفق عليه.
تعقيب:
أما قوله تعالى : (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتُقسطوا إليهم) ( )، فهي واردة في البر والقسط مع الكفار الذين لم يقاتلونا، وليست واردة في موالاتهم ومودتهم كما يدعي هويدي ومن شاكله.
قال ابن كثير في تفسيرها: "أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفة منهم (أن تبروهم) أي تحسنوا إليهم (وتقسطوا إليهم) أي تعدلوا (إن الله يحب المقسطين)" ( ).
وقال الحافظ ابن حجر: "البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتودد المنهي عنه في قوله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) ( )، فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يُقاتل"( ).
وقال الشيخ ابن باز –رحمه الله- تعليقًا على الآية التي احتج بها هويدي: "إنما معنى الآية المذكورة عند أهل العلم الرخصة في الإحسان إلى الكفار والصدقة عليهم إذا كانوا مسالمين لنا بموجب عهد أو أمان أو ذمة، وقد صح في السنة ما يدل على ذلك، كما ثبت في الصحيح أن أم أسماء بنت أبي بكر قدمت عليها في المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهي مشركة تريد الدنيا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء أن تصل أمها وذلك في مدة الهدنة التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى عمر جبة من حرير فأهداها إلى أخ له بمكة مشرك. فهذا وأشباهه من الإحسان الذي قد يكون سببًا في الدخول إلى الإسلام والرغبة فيه وإيثاره على ما سواه، وفي ذلك صلة للرحم، وجُوْد على المحتاجين، وذلك ينفع المسلمين ولا يضرهم، وليس من موالاة الكفار في شيء كما لا يخفى على ذوي الألباب والبصيرة"( ).
أما احتجاج هويدي بقوله تعالى:(وإذا حُييّتم بتحيةٍ فحيّوا بأحسن منها)( )، فهو من أعجب الاحتجاج، إذ معنى الآية كما قال ابن كثير –رحمه الله-: "أي إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة"( )، أي إذا قال: السلام عليكم فيستحب أن تقول ردًا عليه: وعليكم السلام ورحمة الله، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله، فيُستحب أن تقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فالزيادة مندوبة، والرد كما قال ابن كثير فرض.
أما من قال بأنها تدل على جواز رد السلام على الكفار فقد أخطأ في الاستدلال.
قال ابن كثير: "وهذا التنـزيل فيه نظر كما تقدم في الحديث من أن المراد أن يرد بأحسن مما حياه به فإن بلغ المسلم غاية ما شُرع في السلام رد عليه مثل ما قال، فأما أهل الذمة فلا يُبدؤن بالسلام، ولا يزادون، بل يرد عليهم ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم، فقل: وعليك" وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام.." ( ).
أما احتجاج هويدي بقوله تعالى: (فاصفح عنهم وقل سلام) ( )، فهي أعجب من سابقتها! إذ هذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يُشرع الجهاد بأن لا يرد على الكافرين مثل قولهم السيئ بل يعفو ويصفح إلى أن يأتي أمر الله، ولهذا قال بعده (فسوف يعلمون) ( ).
قال ابن كثير: "هذا تهديد من الله لهم، ولهذا أحل بهم بأسه الذي لا يُرد، وأعلى دينه وكلمته، وشرع بعد ذلك الجهاد والجلاد حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، وانتشر الإسلام في المشارق والمغارب"( ).
أما احتجاج هويدي بحديث "إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام"، وحديث: ".. تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" فهي أحاديث خاصة بالمسلمين، ولكنَّ هويدي يتغافل عن هذا ويضعها في غير موضعها لتدل –بزعمه- على السلام على الكفار! ناسيًا قوله صلى الله عليه وسلم السابق: "لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام".
الشبهة الخامسة:
احتجاجه بالصحيفة التي كتبها صلى الله عليه وسلم مع اليهود عندما قدم المدينة.
تعقيب:
هذه الصحيفة مما افتتن بها المعاصرون ترديدًا لها في كتبهم، متوهمين (صحتها) وأنها تشهد لما حَمَّلوها من جواز موالاة الكفار أو مساواتهم بالمسلمين –زعموا-!
وقد ذكر مجموعة ممن احتج بها الأستاذ محمد حميد الله في كتابه (مجموعة الوثائق السياسية) ( ).
قال الأستاذ مشهور سلمان –حفظه الله-: "وهي متداولة في كتب السيرة وفي كتب النظم الإسلامية. وقد حكم عليها الأستاذ يوسف العش( ) بالوضع، والصحيح أنها ضعيفة فحسب، ولا مجال لسرد طرقها والكلام على أسانيدها، ومن أراد الاستزادة، فلينظر كتاب الأخ ضيدان بن عبد الرحمن اليامي (بيان الحقيقة في الحكم على الوثيقة)" ( ).
حيث قال بعد أن ذكر أسانيد (الصحيفة) وضعفها جميعًا: "فعلى هذا يتضح لك ضعف هذه الصحيفة وما ورد فيها"( ).
قال: "ومن ثمَّ لا ينبغي الاحتجاج بها"( ).
وقال الشيخ ربيع المدخلي في كتابه "صد عدوان الملحدين" (ص 34) عن هذه الصحيفة –على فرض ثبوتها-: "معاذ الله أن تكون المعاهدة قامت على هذا الأساس الوطني، ولا ينبغي أن تحمل هذه المعاهدة ولا غيرها من النصوص الشرعية على المصطلحات السياسية المعاصرة".
قلت: وقد بينت في كتاب "محمد عمارة في ميزان أهل السنة" أن كثيراً من محتويات هذه الصحيفة تنقض دعاوى العصرانيين وتمايز بين المسلمين والكفار. (انظر: ص 431-432 من الكتاب السابق).
الشبهة السابعة:
احتجاجه بقول علي –رضي الله عنه- عن أهل الذمة: "أن دماءهم كدمائنا، وأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا" وزعمه أن هذا قول "كل فقهاء المسلمين من أولهم إلى آخرهم"( ) !!
تعقيب:
هذا الأثر عن علي –رضي الله عنه- ذكره الكاساني الحنفي في كتابه (بدائع الصنائع) ( ) عند حديثه عن أهل الذمة دون إسناد، انتصارًا لقول الأحناف بأن دية الذمي كدية المسلم! وهي من مسائلهم المستشنعة التي تخالف الأحاديث الصحيحة.
ثم وجدت محمد بن الحسن الشيباني قد ذكر أثرًا مشابهاً له في (كتاب الحجة على أهل المدينة) ( ) قال: "أخبرنا قيس بن الربيع عن أبان بن تغلب عن الحسن بن ميمون عن عبد الله بن عبد الله مولى بني هاشم عن أبي الجنوب الأسدي قال: أُتي علي ابن أبي طالب –رضي الله عنه- برجل من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة، قال: فقامت عليه البينة، فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: قد عفوت عنه. قال: فلعلهم هددوك أو فَرَقوك؟ قال: لا، ولكن قتله لا يرد عليَّ أخي وعوضوني فرضيتُ، قال: أنت أعلم، من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا".
قلت: وهذا الأثر –فضلاً عن مخالفته للأحاديث الصحيحة- فهو ضعيف، قال الألباني: "أخرجه الشافعي (1429) والدارقطني (350) وقال: وأبو الجنوب ضعيف. وأورده صاحب الهداية بلفظ: "إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا" وهو مما لا أصل له كما ذكرته في "إرواء الغليل" (1251)"( ).
وقال الأستاذ علي رضا بن عبد الله( ) في رسالة بعثها إليَّ: "أثر علي رضي الله عنه: فيه الحسن بن ميمون مجهول كما قال الحسيني ووافقه الحافظ في "تعجيل المنفعة" (ج1/ص448) رقم (208)- ووهم المحقق فخلطه بالحسين بن ميمون وليس به على الراجح وإن اتفقا في الرواية عن أبي الجنوب الأسدي لكن الأول هو الذي يروي عنه أبان بن تغلب ويروي عن أبي الجنوب كما في "التعجيل" فالظاهر أنهما رجلان، وهذا مقتضى صنيع الحافظ ابن حجر في إقراره كلام الحسيني. وقد يكونان رجلاً واحداً كما يتضح من رواية الدارقطني الآتية.
وقيس بن الربيع: سيئ الحفظ كما في "الميزان" (3/393)، بل قال النسائي: متروك. وقال أحمد: يتشيع وكان كثير الخطأ، وله أحاديث منكرة.
وأبو الجنوب اسم عقبة بن علقمة الكوفي: قال أبو حاتم: ضعيف بين الضعف لا يشتغل به. وكذا ضعفه الدارقطني "الميزان" (3/87).
فالإسناد ظلمات بعضها فوق بعض !!!
والحديث : أخرجه الدارقطني في "السنن" (3/147) رقم (200) وابن المظفر في "غرائب شعبة" –مخطوط- (ورقة 18/أ)، والبيهقي في "الكبرى" (8/34) من هذا الوجه وضعفته في تحقيقي لـ"مسند علي" (ج1/ص290-291) برقم (1690،1691،1696) وقال البيهقي- كذا قال: حسن، وقال غيره: حسين بن ميمون- وعلى تقدير أنه الحسين فهو لين الحديث كما في "التقريب" (1366)" اهـ كلام الأستاذ علي رضا بن عبد الله –حفظه الله-.
قلت: وهم –أي فقهاء الأحناف إلا من رحم الله- ليسوا حجة في معرفة الأحاديث والآثار، وإنما يذكرون في كتبهم منها ما ليس له خطام ولا زمام، أو ما كان ضعيفاً لا يصلح للاحتجاج، كما فعلوا بهذا القول الشاذ (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) حيث عزوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم!! حتى قال الزيلعي -وهو أحدهم ولكنه عالم بالحديث- عند تخريجه لهذا القول (لهم ما لنا..) الذي ذكره صاحب الهداية: "قلت: لم أعرف الحديث الذي أشار إليه المصنف"( ).
وقال الشيخ المحدث الألباني –حفظه الله- عن هذا القول: (لهم ما لنا..): "باطل لا أصل له في شيء من كتب السنة، وإنما يذكره بعض الفقهاء المتأخرين ممن لا دراية لهم في الحديث".
قال: "وقد جاء ما يشهد ببطلان الحديث، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" ليس في أهل الذمة، وإنما في الذين أسلموا من أهل الكتاب والمشركين، كما جاء في حديث سلمان وغيره، رواه مسلم وغيره. وهو مخرج في (الإرواء) (1247) وغيره .
وإن مما يؤكد بطلانه مخالفته لنصوص أخرى قطعية كقوله تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين، ما لكم كيف تحكمون) ( )، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يُقتَل مسلمٌ بكافر"، وقوله: "للمسلم على المسلم خمس: إذا لقيته فسلم
عليه.." الحديث، وقوله: "لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام..". وكل هذه الأحاديث مما اتفق العلماء على صحتها.
ومن هنا يظهر جليًّا صدق عنوان كتابنا هذا في الأحاديث الضعيفة: "وأثرها السيئ في الأمة"، فطالما صرفَتْ كثيرًا منهم على مر الدهور والعصور عن دينهم، لا فرق في ذلك بين العقائد والأحكام والأخلاق والسلوك، وليس ذاك في العامة فقط، بل وفي بعض الخاصة، وهاهو المثال بين يديك، فإن هذا الحديث الباطل قد تلقاه بالقبول بعض الدعاة والكتّاب الإسلاميين، وأشاعوه بين الشباب المسلم في كتاباتهم ومحاضراتهم، وبنوا عليه من الأحكام ما لم يقل به عالم من قبل! فهذا هو كاتبهم الكبير الشيخ محمد الغزالي يقول فيما سماه بـ"السنة النبوية.." (ص18): "وقاعدة التعامل مع مخالفينا في الدين ومشاركينا في المجتمع: لهم ما لنا وعليهم ما علينا. فكيف يهدر دم قتيلهم؟!".
وهو تابع في ذلك للأستاذ حسن البنا رحمه الله، فهو الذي أذاعه بين شباب الإخوان وغيرهم، وهذا هو سيد قطب عفا الله عنه يقول مثله، ولكن بجرأة بالغة على تصحيح الباطل: "وهؤلاء لهم ما لنا وعليهم ما علينا بنص الإسلام الصحيح"!! كذا في كتابه "السلام العالمي" (ص 135-طبع مكتبة وهبة الثانية).
وقد جرى على هذه الوتيرة من المخالفة للنصوص الصحيحة، اعتماداً على الأحاديث الضعيفة غير هؤلاء كثير من الكتاب المعاصرين، لجهلهم بالسنة، وتقليدهم لبعض الآراء المذهبية، ومن هؤلاء الأستاذ المودودي رحمه الله، وقد تقدم الرد عليه في تسويته بين المسلم والذمي في الحقوق العامة تحت الحديث المتقدم رقم (460) ( ).
وإن مما يحسن لفت النظر إليه أن الأحناف الذين تفردوا بهذا الحديث الباطل، لم يأخذوا به إلا في المبايعات كما تقدم ذكره عن كتابهم "الهداية"، خلافاً لهؤلاء الكتّاب الذي توسعوا في تطبيقه توسعاً خالفوا به جميع العلماء. فاعتبروا يا أولي الألباب!" ( )اهـ. كلام الشيخ الألباني –حفظه الله-
وقال الدكتور عبد الله الطريقي: "وأما قول بعض الفقهاء "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" فليس فيه دلالة على المساواة في الحقوق والواجبات؛ بدليل الواقع، فإن حقوق المسلم كثيرة؛ منها: السلام، والنصح، وإجابة الدعوة، والعيادة في المرض، وتشييع الجنازة، وأهم من ذلك موالاته ومؤاخاته، وإعطاؤه من الزكاة، وغير ذلك"( ).
الشبهة الثامنة:
قوله: "وقد استحضر الإمام علي بن أبي طالب تلك المعاني في كتابه إلى مالك الأشتر حين ولاه مصر بعد مقتل محمد بن أبي بكر، عندما قال: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، واللطف بهم.. فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق"( ).
تعقيب:
هذا الأثر مما التقطه هويدي من كتاب (نهج البلاغة) المكذوب على علي –رضي الله عنه-( ).
فهو مما لا يُفرح به.
قال الذهبي في ترجمة المُرتْضَى أبي علي بن حسين ابن موسى الموسوي (المتوفى سنة 436هـ): "هو جامع كتاب "نهج البلاغة" المنسوبة ألفاظه إلى الإمام علي رضي الله عنه، ولا أسانيد لذلك، وبعضُها باطلٌ وفيه حقٌ، ولكن فيه موضوعات حاشا الإمام من النطق بها، ولكن؛ أين المنصف؟ وقيل: بل جَمْعُ أخيه الشريف الرّضي"( ).
وقال أيضًا: "وفي تواليفه سبُّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنعوذ بالله من علمٍ لا ينفع"( ).
وقال أيضاً في ترجمته: "وهو المتهم بوضع كتاب "نهج البلاغة"، وله مشاركة قويّة في العلوم، ومن طالع كتابه "نهج البلاغة"؛ جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، ففيه السّبُّ الصّراح والحطُّ على السيدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنفس القرشيين الصحابة، وبنفس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين؛ جزم بأن الكتاب أكثره باطل"( ).
وقد حكم بكذب كثير مما في هذا الكتاب على عليّ رضي الله عنه العلامة المقبلي؛ فقال رحمه الله: "أخرج البخاري عن علي رضي الله عنه؛ أنه قال: اقضوا كما كنتم تقضون؛ فإني أكره الخلاف حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي. قال: وكان ابن سيرين يرى عامة ما يروون عن علي رضي الله عنه كذبًا، وصدق ابن سيرين رحمه الله؛ فإن كل قلب سليم، وعقل غير زائغ عن الطريق القويم، ولب تدرب في مقاصد سالكي الصراط المستقيم؛ يشهد بكذب كثير مما في "نهج البلاغة" الذي صار عند الشيعة عديل كتاب الله بمجرد الهوى الذي أصاب كل عرق منهم ومفصل، وليتهم سلكوا مسلك جلاميد الناس، وأوصلوا ذلك إلى علي برواية تسوغ عند الناس، وجادلوا عن رواتها، ولكن؛ لم يبلغوا بها مصنفها، حتى لقد سألت في الزيدية إمامهم الأعظم وغيره؛ فلم يبلغوا بها الرضّي الرافضي، ولو بلغوه لم ينفعهم فإن مذهب الإمامية تكفير من لم يكن على مذهبهم كفرًا صريحًا لا تأويلاً"( ).
وقد أشار إلى الكذب الذي فيه الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (2/161).
وقد قال محمد محيي الدين عبد الحميد في مقدمة تعليقه عليه: "إنه يعتقد أن محمد عبده( ) كان مقتنعاً بأن الكتاب كله للإمام علي رضي الله عنه وإن لم يصرح بذلك، وحتى إنه ليجعل ما فيه حجة على معاجم اللغة"!
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلمة في بيان كذب كثير مما في هذا الكتاب على عليّ رضي الله عنه، وهذا نص كلامه: "… وأيضًا؛ فأكثر الخطب التي ينقلها صاحب "نهج البلاغة" كذبٌ على عليّ، وعليّ رضي الله عنه أجلّ وأعلى قدرًا من أن يتكلّم بذلك الكلام، ولكن هؤلاء وضعوا أكاذيب وظنوا أنها مدح؛ فلا هي صدق ولا هي مدح، ومن قال: إن كلام عليّ وغيره من البشر فوق كلام المخلوق؛ فقد أخطأ، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم كلامه، وكلاهما مخلوق.
ولكن هذا من جنس كلام ابن سبعين الذي يقول: هذا كلام بشير( ) يشبه بوجهٍ ما كلام البشر، وهذا ينـزع إلى أن يجعل كلام الله ما في نفوس البشر وليس هذا من كلام المسلمين.
وأيضًا؛ فالمعاني الصحيحة التي توجد في كلام عليّ موجودة في كلام غيره، لكن صاحب "نهج البلاغة" وأمثاله أخذوا كثيرًا من كلام الناس فجعلوه من كلام عليّ، ومنه ما يُحكى عن عليّ على أنه تكلّم به، ومنه ما هو كلام حقٌ يليق به أن يتكلم به، ولكن هو في نفس الأمر من كلام غيره.
ولهذا؛ يوجد في كلام "البيان والتبيين" للجاحظ وغيره من الكتب كلام منقول من غير عليّ، وصاحب "نهج البلاغة" يجعله عن عليّ.
وهذه الخطب المنقولة في كتاب "نهج البلاغة" لو كانت كلّها عن عليّ من كلامه؛ لكانت موجودة قبل هذا المصنّف، منقولة عن عليّ بالأسانيد وغيرها، فإذا عَرَف من له خبرة بالمنقولات أن كثيرًا منها بل أكثرها لا يُعرف قبل هذا؛ عُلم أن هذا كذب، وإلا؛ فليبيّن الناقل لها في أي كتاب ذكر ذلك، ومن الذي نقله عن عليّ، وما إسناده؟ وإلا؛ فالدعوى المجردة لا يعجز عنها أحد.
ومن كان له خبرة بمعرفة طريقة أهل الحديث ومعرفة الآثار والمنقول بالأسانيد، وتبيّن صدقها من كذبها؛ عَلِم أن هؤلاء الذي ينقلون مثل هذا عن عليّ من أبعد الناس عن المنقولات، والتمييز بين صدقها وكذبها"( ).( )
قلت: بهذه الشبهة انتهت الشبهات التي احتج بها هويدي في كتبه ومقالاته انتصارًا لرأيه الشاذ في (مساواة) المسلمين بالكافرين، وما تفرع عنها من مسائل قبيحة لا يتلفظ بها من يخاف الله –عز وجل-.
تقسيم الناس حسب موقفهم من الإسلام :
الناس إما مسلمون أو غير مسلمين، وغير المسلمين قسمان:
1- أهل حرب.
2- أهل عهد.
كما قال ابن عباس –رضي الله عنهما-: "كان المشركون على منـزلتين من النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. كانوا: مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه"( ).
وأهل العهد ينقسمون ثلاثة أقسام:
1- أهل ذمة (ذميون).
2- مستأمنون.
3- معاهَدون، من الموادعين والمحايدين: وهم من كان لهم عهد مؤقت بكف القتال عنهم.
هذا هو تقسيم الناس بالنسبة لموقفهم من الإسلام. ويهمنا
الفرق بين الذمي والمعاهد والحربي
عرفنا فيما سبق أن الذمي هو: "كل كافر حر بالغ قادر يجوز إقراره على دينه بالجزية".
أما المعاهد: فيراد به من كان له عهد مؤقت بكف القتال عنه وهو "من عقد مع المسلمين أو عقد معه المسلمون، من الكفار من أهل الحرب عهدًا بالكف عن القتال مدة معينة".
وعليه فإنه يمكن أن يُطلق على الذمي "معاهَداً" لأن أهل الذمة هم أهل عهدٍ دائم مقابل أداء الجزية.
أما المعاهَد عهدًا مؤقتًا –وهم أهل الهدنة- فلا يُطلق عليه لفظ الذمي، وعليه فلفظ الذمي أخص من لفظ المعاهَد مطلقًا، فكل ذمي معاهَد وليس كل معاهَد ذميا، لجواز أن يكون عهدُه عهدًا مؤقتًا.
وعليه فأهم الفروق بين الذمي والمعاهد هي:
أولاً: أن الذمي يقيم إقامة دائمة في بلاد المسلمين أو في بلادٍ يشرفون عليها. أما المعاهَد فإنه إن أقام في بلادهم فهو لحاجة ثم يغادرها.
ثانياً: الذمي يتمتع بحماية المسلمين له بمقتضى عقد الذمة ويلزمه أداء الجزية، أما المعاهَد:
فليس عليهم حمايته ولا يُلزم بدفع
جزية. ( ولكن ليس معنى هذا جواز الإعتداء عليه كما قد يفهم البعض ؛ فإن هذا محرم بالنصوص الشرعية الصريحة ) .
ثالثاً: مدة عقد الذمة مطلقة مؤبدة
ولا تُحَد بوقتٍ كما نص على ذلك الفقهاء، فسموها بـ"العقد المؤبد" أما مدة عقد الهدنة فالواجب فيها التحديد.
رابعاً: الذمي يلتزم بدفع الجزية وبسريان أحكام المسلمين عليه.
أما المعاهَد فليس عليه شيء من ذلك . ( وضوابط ذلك تجدها في رسالة الدكتور الطريقي كما سيأتي إن شاء الله ) .
خامساً عقد الذمة: يجب أن يكون صاحبه كتابيًا أو مجوسيًا في الراجح من أقوال العلماء. أما عقد الهدنة فيُعْقد مع كل كافر.
تلك هي الفوارق بين الذمي والمعاهَد.
ويتفقان فيما يأتي:
أولاً: كلٌ من الذمي والمعاهَد يجب له الوفاء بعهده إذا التزم بأحكام وشروط هذا العهد.
ثانياً: وجوب نبذ العهد إلى كلٍ من الذمي والمعاهَد في حال ظهور بوادرَ للخيانة.
أما الفروق بين الذمي والحربي فهو كما يلي:
أولاً: الذمي محقون الدم بموجب عهد الذمة. أما الحربي فدمه هَدَر، حيث لا عهد له.
ثانيًا: في الراجح من أقوال العلماء أن الذمي لا يكون إلا من أهل الكتاب أو المجوس. أما الحربي: فيُطلق على من تهيأ لمحاربة المسلمين وناصبهم العداء: كتابيًا كان أو وثنيًا.
ثالثاً: لا يتعرض المسلمون لذراري الذمي لدخولهم في عقد الذمة ضمنًا. أما ذراري الحربي إذا ظفر بهم المسلمون فهم سبي ولا يُقَاتلون قصدًا.
رابعًا: مال الذمي له حُرمته فلا يُتَعرض له، ويحافظ عليه كمال المسلم. أما مال الحربي: فلا حرمة له وهو غنيمة للمسلمين.
أحكام الجزية
أما الجزية التي حاول هويدي أن يشكك فيه ويتمحل في سبيل إسقاطها عن "إخوانه اليهود والنصارى!" بشتى التمحلات، فهي ثابتة بالقرآن والسنة والإجماع.
أما ثبوتها في القرآن: فبالنص عليها في قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) ( ).
وأما السنة: فقد ورد ذكرها في أحاديث كثيرة لا تُحصى وفي مقدمتها حديث بريدة المشهور الذي نص فيه الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الحكم وشرعه للأمة من بعده، دون تقييد بزمان أو مكان.
قال بريدة –رضي الله عنه-: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجرى عليه حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم" الحديث رواه مسلم وغيره( ) واللفظ له.
ففي هذا الحديث الصريح بيان أن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في حروبه وغزواته، وفي وصاياه لقواده أن يخير الكفار بين الإسلام، أو الجزية، أو القتال، وأن هذا دأبه دائمًا، يشهد لهذه قول بريدة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرًا.." فهو دليل على الاستمرار والعادة الدائمة.
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية بالجملة، قال ابن قدامة رحمه الله: "والأصل فيها –يعني الجزية- الكتاب والسنة والإجماع"( ). وقال ابن رشد: "فأما من يجوز أخذ الجزية منهم فإن العلماء مجمعون على أنه يجوز أخذها من أهل الكتاب العجم والمجوس"( ). وقال ابن القيم: "أجمع الفقهاء على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس"( ).
تنبيه: من أراد الزيادة والفائدة في موضوع أحكام المعاهدين، والموقف الشرعي منهم؛ فعليه بالرسالة القيمة "فقه الإحتساب على غير المسلمين" للدكتور عبد الله الطريقي –وفقه الله-.
فهمي هويدي والرافضة :
مقالاته وأقواله –حسب علمي- تشهد بأنه متأثر بدعوة (الرافضة) عادًا إياهم أحد التيارات المؤثرة في الصحوة الإسلامية( ) وعادًا ثورتهم الأخيرة ثورةً إسلامية شجاعة، ومادحًا لرموزهم وأشخاصهم، وملمعًا لمذهبهم وبلادهم –والعياذ بالله-.
وإليك –شيئاً من مواقفه وأقواله- تشهد عليه بهذا كله:
فهو قد خصص كتاباً كاملاً سماه (إيران من الداخل) خصصه للحديث عن أحوال الثورة الخمينية، محاولاً تقريب السنة إليهم، كما في (ص9،11،205،306،313 وما بعدها).
واصفاً الخميني بأنه "كان زاهدًا عظيمًا"( ) !! ومادحاً (منتظري) بأنه "واحد من التابعين الذين كان همهم الزهد والورع"( )!!
وتدليلاً على محبة هويدي وموالاته للروافض فقد تكلف عناء السفر لتهنئة الخميني بقيام دولته (الرافضية)! ( )
ويقول عن فقه الواقع: "الثورة الإسلامية في إيران أرست قاعدة عريضة لهذا الفقه"( ).
وفي تعليق له على تقرير عن (الحالة الإسلامية في الوطن العربي) الذي أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، يقول: "لسنا نعرف كيف غاب عن الباحثين رصد مظاهر الحالة الإسلامية في الخليج ومؤشرها في صعود مستمر على الأصعدة السياسية والاجتماعية، خصوصًا بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، وما ترتب على ذلك من أصداء بين شيعة الخليج"( ).
ويرى هويدي أن نجاح ثورة الرافضة في إيران أحد مظاهر نجاح الصحوة الإسلامية( )!
ويقول عن الرافضي باقر الصدر( ): "العلامة السيد محمد باقر الصدر"( )!
ويقول مدافعًا عن الروافض، ومبرزًا حسناتهم: "إن الشيعة الذي كان البعض يشكك في ولائهم، وأبدى نفر من الكاتبين تخوفاً منهم بعد الغزو خيبوا ظن هؤلاء الجميع، وأثبتوا أنهم جزء لا ينفصم من الصف الوطني، وكان صمودهم المشهود، وشبابهم الذين سيقوا إلى الإعدام، منهم ثلاثة من أسرة (دشتي) وحدها، كان ذلك إبراءً لذمتهم، وإعلاناً عن مصداقية انتمائهم، الذي ثار حوله بعض اللغط منذ قامت الثورة الإسلامية في إيران"( ).
ويخص الزيدية والإمامية الروافض بمزيد دفاع حارٍ، ويستثنيهم من بقية الشيعة المذمومين بكل لسان، فيقول: "فات بعض الكاتبين أن الشيعة فرق متعددة، بينهم المعتدلون والغلاة وصحيحو العقيدة وفاسدوها، وفي مقدمة المعتدلين وصحيحي العقيدة: الزيدية المنسوبة إلى الإمام زيد بن علي، ويتركزون في اليمن، وهم الأقرب إلى السنة، والإمامية الاثني عشرية!! وهم أكبر فرق الشيعة وأشهرها"( ).
وفي مقال له بعنوان (معركتنا ليست ضد الشيعة) يحاول هويدي أن يوهمنا بأن تصرفات النظام الإيراني لا يتحمل وزر أخطائها مذهب الروافض، فيقول: "لا أعرف كيف يمكن أن نكبح جماح عواطفنا وانفعالاتنا، بحيث نفرق بين ممارسات النظام السياسي الإيراني وبين تعاليم المذهب الشيعي"( ).
وهاهو ينتقد أحد الدعاة الذين بينوا خطر الرافضة، وحذروا منهم( ).
وعندما أنكر هويدي ظهور (المهدي المنتظر) آخر الزمان عَقَّب على ذلك بقوله: "إن ما عرضته بشأن وجهة نظر السنة في مسألة المهدي المنتظر ينبغي ألا يُحمل باعتباره إساءة أو تشهيرًا بما يعتقده الشيعة في هذا الصدد، فرأينا فيما يعرض علينا من معتقدات، لا ينبغي أن يخل باحترامنا لما يعتقده الآخرون، خاصةً وأن لديهم من الأسانيد والحجج ما يدعم اعتقادهم ويعززه"( ).
قال هذا الئلا يُغضب أعداء الصحابة، وأما أهل السنة من أتباع السلف الصالح فهم –في نظر هويدي- لا يستحقون الاعتذار، علمًا بأن "لديهم من الأسانيد والحجج ما يدعم اعتقادهم ويعززه" كما قال هويدي!
ويتابع هويدي الروافض في ذمهم للصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان –رضي الله عنه- قائلاً: "لعلنا نذكر ما جرى في موقعة صفين بين علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، ومعاوية بن أبي سفيان والي الشام الطامع في الإمارة"( ).
ويكتب مقالاً بعنوان "معركتنا ليست ضد الشيعة"( ) يستغرب فيه أن تنشر الكتب ضد الشيعة في بلاد مصر "ذات الدور الرائد في التقريب بين المذاهب، والتي لم تصب بأي حساسية تجاه الشيعة، ولقد درج المؤرخون على وصف المصريين بأن لهم هوىً مع آل البيت"، كما يقول هويدي، ثم راح يدافع عن عقائدهم، ويُنكر أنهم يقولون بتحريف أو نقص القرآن الكريم أو أنهم يسبون الصحابة!!
فهمي هويدي والديمقراطية
يعد هويدي من أبرز الدعاة إلى الديمقراطية في عالمنا الإسلامي، حيث أبرز محاسنها وجَمَّلها في عدد كثير من مقالاته، متابعةً منه لشيخيه الغزالي، والقرضاوي، اللذين يعوِّل على كلامهما في الديمقراطية كثير من دعاة الاستنارة والعقلانية.
وإليك شيئًا من أقواله في هذا الموضوع:
يقول هويدي في مقال بعنوان (الإسلام والديمقراطية.. أو الطوفان!) مبالغاً في مدح الديمقراطية: "إننا نعتبر أن الديمقراطية هي أفضل صيغة ابتكرها العقل الإنساني حتى الآن لإدارة المجتمع على نحو كفء وصحي"( ).
ويقول: "سنصبح في مجرى التاريخ، ويصبح انتسابنا للعصر حقًا، فقط عندما نتعامل مع الديمقراطية بشروطها وجوهر وظيفتها، أعني عندما يسقط احتكار السلطة، وتصبح الأمة شريكة في صناعة القرار، وصياغة حاضرها ومستقبلها"( ).
ويقول معبرًا عن ماهية الديمقراطية التي يدعو إليها: "جوهر الديمقراطية هو مشاركة الأمة صناعة القرار السياسي من خلال وضع مؤسسي دائم وملتزم"( ).
ويقول: "لسنا نعرف لماذا يصر البعض على سوءات الديمقراطية وعوراتها، مع تغييب تام لإيجابياتها وإنجازاتها، وجملة المقاصد الجليلة التي تحققها"( ).
ونراه ينقل فتيا القرضاوي في تأييد (الديمقراطية) في مقالة له بعنوان "فتوى في الديمقراطية"( ).
فهمي هويدي والسلفية
يُكثر هويدي –شأن جميع العصرانيين- من الطعن في المتمسكين بعقيدة السلف الصالح ومنهجهم، ويلمزهم بشتى التهم، ساخرًا منهم لاتباعهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يصل به الشيطان إلى الطعن والسخرية بالسنة ذاتها! –والعياذ بالله-.
وأنا سأنقل بعضًا من أقواله التي يوردها في هذا المقام متابعةً منه لأسلوب شيخه الهالك (الغزالي) ليتعرف القارئ على شيء مما تكنه صدور هؤلاء التنويريين على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والمتمسكين بها، مع تعرفه على رأيهم في انتشار عقيدة ومنهج السلف في العالم الإسلامي خلال السنوات الأخيرة –ولله الحمد-.
يقول هويدي: "تيارات تكفير المجتمع وجماعات الغلو والتشنج والهلوسة باسم الدين، هؤلاء جميعًا لم يظهروا إلى الوجود إلا في المرحلة التي صودرت فيها حرية العمل الإسلامي الشرعي"( ).
وينقل طعن الغزالي في السلفية مؤيدًا له( ).
ويسخر من كتاب الشيخ أبي إسحاق الحويني( ) "نهي الصحبة عن النـزول بالركبة"( ) مدعيًا أنه لا فائدة من بحث هذه المواضيع الفقهية التي يسميها هويدي ومن هم على شاكلته (الجزئيات)، وأن الأولى أن تُصرف الجهود إلى الاهتمام بقضايا الأمة الكبرى، ومواجهة أعدائها الذين يكيدون لها.
ولكن: مما يثير الطرافة أننا علمنا –سابقاً- أن هويدي يرى أن اليهود والنصارى كالمسلمين، ويرى جواز قيام أحزاب علمانية وماركسية، فلا أدري بعد هذا من هم أعداء الأمة الذين يريد لنا هويدي أن نتصدى لهم، وهو لم يُبق عدوًا لنا!!؟
ويقول هويدي في ندوة عقدت بالأردن ساخرًا من مجموعة من الشعائر والسنن الإسلامية: "الأمر تجاوز المسواك والأكل بأصابع اليد والجلباب القصير، إلى حديث أصح وأجدى حول الارتقاء بالإنسان، والنهوض بالأمة، وصياغة المستقبل على نحول أفضل"( ).
ثم ينقل عن القرضاوي ذم من يُقَصر ثوبه اتباعًا لسنة محمد صلى الله عليه وسلم.
فهويدي مشغول عن هذه السنن بـ"الارتقاء بالإنسان والنهوض بالأمة، وصياغة المستقبل على نحوٍ أفضل)!! إلى آخر عباراته التي لا ثمرة لها.
ويقول: "لا نعرف لماذا –عند ذكر الصحوة- يُهال التراب على روادها من جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، ورشيد رضا، وحسن البنا، فيُطمس فكرهم، ويُلغى وجودهم، بينما لا يُذكر سوى عمر عبدالرحمن، وعبود الزمر، وشكري مصطفى، وعلي بلحاج. أعني لماذا يُسقط الاصلاحيون والتحديثيون من الحسبان، وتُسلط الأضواء فقط على الانقلابيين والسلفيين"( ).
ويذم أصحاب (الكآبة والجهامة والجفاف)!! الذين يحرمون الغناء والموسيقى والتمثيل والنرد والشطرنج.
ويرى –بجهل أو بخبث- أن مصدر هذا الفقه الكئيب يعود إلى السعودية!! ( )
ويقول: "إن الخطاب الإسلامي أصبح يعنى بأمور لا حصر لها، ليس بينها بالضرورة قضايا الساعة وشواغل الناس، حتى يبدو أحياناً كما لو كان قادمًا من زمنٍ آخر وربما من كوكبٍ آخر، وما الجدل الدائر بين شبابنا حول الاختلاط والنقاب وإقامة الخلافة وصحة أحاديث المهدي سوى نموذج لما ندعيه"( ).
المصدر
نظرات شرعية في فكر منحرف (http://saaid.net/Warathah/Alkharashy/31.zip)
الحلقات السابقة
الحلقة الأولى >>طه حسين ** جمال الدين الأفغاني >> (http://www.3asfh.com/vb/showthread.php?t=32501)
الحلقة الثانية >> محمد عبده ** قاسم أمين << (http://www.3asfh.com/vb/showthread.php?t=32812)
AgainstISR&USA
17-09-2005, 09:28
ماشاء الله استاذ هشام , الموضوع ضخم , ولم اقرا فيه كثيرا , لكن لي رجعه لاعرف مافيه ,ومجهود جبار والله .
في ميزان الحسنات وجزاك الله خيرا
اخوك ايه جي
جميل اخوي ابو هشام ..
راح احتفظ بالصفحة في الجهاز |1| ..
جعلها ربي في ميزان حسناتك ..
بالتوفيق
جاري حفظ الصفحة وقراءتها على مهل
جزاك الله كل خير بو هشومة
Powered by vBulletin® Version 3.6.8
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd