AgainstISR&USA
03-09-2005, 06:06
بسم الله الرحمن الرحيم
رجل اختلف فيه الناس , احتار فيه منتقدوه , واعجب به اعداؤه , شكل فكره اجيالا , ولكن هل يكفي ان تسمع عنه فقط لتحكم كالاخرين , بالطبع لا . نقدم لكم اليوم واحد من اروع ما سطره . فالي كلماته .
هذا الـديــن
سيد قطب
منهج للبشر
هناك حقيقة أولية عن طبيعة هذا الدين، وطريقة عمله في حياة البشر... حقيقة أولية بسيطة... ولكنها مع بساطتها، كثيراً ما تنسى، أو لا تدرك ابتداء. فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين: حقيقته الذاتية وواقعه التاريخي. حاضرة ومستقبله كذلك!.
إن البعض ينتظر من هذا الدين- ما دام منزلاً من عند الله- أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب! ودون أي اعتبار لطبيعة البشر، ولطاقاتهم الفطرية، ولواقعهم المادي، في أي مرحلة من مراحل نموهم، وفي أية بيئة من بيئاتهم.
وحين لا يرون أنه يعمل بهذه الطريقة، وحين يرون أن الطاقة البشرية المحدودة، والواقع المادي للحياة الإنسانية، يتفاعلان معه، فيتأثران به - في فترات - تأثراً واضحاً، على حين انهما في فترات أخرى يؤثران تأثيراً مضاداً لاتجاهه، فتقعد بالناس شهواتهم وأطماعهم، وضعفهم ونقصهم، دون تلبية هتاف هذا الدين، أو الاتجاه معه في طريقه..
حين يرون هذا فانهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها - ما دام هذا الدين منزلاً من عند الله - أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني للحياة وواقعيته. أو يصابون بالشك في الدين إطلاقاً!.
وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كلها من خطأ واحد أساسي: هو عدم إدراك هذا الدين وطريقته، أو نسيان هذه الحقيقة الأولية البسيطة.
إن هذا الدين منهج إلهي للحياة البشرية. يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر أنفسهم في حدود طاقتهم البشرية؛ وفي حدود الواقع المادي حينما يتسلم مقاليدهم. ويسير بهم إلى نهاية الطريق في حدود طاقتهم البشرية، وبقدر ما يبذلونه من هذه الطاقة.
وميزته الأساسية: انه لا يغفل لحظة، في أية خطة وفي أية خطوة عن فطرة الإنسان وحدود طاقته ، وواقع حياته المادي أيضاً. وأنه - في الوقت ذاته- يبلغ به - كما تحقق ذلك فعلاً في بعض الفترات، وكما يمكن أن يتحقق دائماً كلما بذلت محاولة جادة - إلى ما لم يبلغه أي منهج آخر من صنع البشر على الإطلاق . و في يسر وراحة وطمأنينة واعتدال.
ولكن الخطأ كله - كما تقدم - ينشأ من عدم إدراك طبيعة هذا الدين أو من نسيانها. ومن انتظار الخوارق المجهولة الأسباب على يديه...تلك الخوارق التي تبدل فطرة الإنسان، ولا تبالي طاقاته المحدودة ، ولا تحفل واقعه المادي البيئي !
أليس هو من عند الله؟ أليس الله قادرا على كل شيء؟ فلماذا إذن يعمل هذا الدين - فقط- في حدود الطاقة البشرية المحدودة؟ وتتأثر نتائج عمله بالضعف البشري؟ بل لماذا يحتاج أصلا إلى الجهد البشري؟ ثم... لماذا لا ينتصر دائماً، ولا ينتصر أصحابه دائماً؟ لماذا تغلب ثقلة الضعف والشهوات والواقع المادي على رفرفته وشفافيته وانطلاقته أحياناً؟ ولماذا يغلب أهل الباطل على أصحابه - وهم أهل الحق - أحياناً!!
وكلها - كما ترى - أسئلة وشبهات، تنبع ابتداء من عدم إدراك الحقيقة الأولية لطبيعة هذا الدين وطريقته... أو من نسيانها!.
إن الله قادر - طبعاً - على تبديل فطرة الإنسان، عن طريق هذا الدين أو عن غير طريقه. ولكنه - سبحانه - شاء أن يخلق الإنسان بهذه الفطرة لحكمة يعلمها. وشاء أن يجعل الهدى ثمرة للجهد والرغبة في الهدى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " ... وشاء أن تعمل فطرة الإنسان دائماً، ولا تمحى ولا تعطل: " و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها ".. وشاء أن يتم تحقيق منهجه الإلهي للحياة البشرية عن طريق الجهد البشري، وفي حدود الطاقة البشرية: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "... " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " وشاء أن يبلغ الإنسان من هذا كله بقدر ما يبذل من الجهد، وما يُـنفق من الطاقة، وما يصبر على الابتلاء في تحقيق هذا المنهج الإلهي القويم، وفي دفع الفساد عن نفسه وعن الحياة من حوله: "احسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعملن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ".
وليس لأحد من خلق الله أن يسأله - سبحانه - لماذا شاء هذا كله على هذا النحو الذي أراده فكان. ليس لأحد من خلقه أن يسأله - سبحانه - ما دام أن أحداً من خلقه ليس إلهاً، وليس لديه العلم، ولا إمكان العلم - بالنظام الكلي لهذا الكون؛ ومقتضيات هذا النظام في طبيعة كل كائن في هذا الوجود.
ولماذا؟ - في هذا المقام - سؤال لا يسأله مؤمن جاد، ولا يسأله ملحد جاد… المؤمن لا يسأله، لأنه أكثر أدباً مع الله - الذي يعرفه بذاته وصفاته وخصائصه - وأكثر معرفة بطبيعة إدراكه البشري وحدوده، وأنه لم يهيأ للعمل في هذا المجال… والملحد الجاد لا يسأله، لأنه لا يعترف بالله ابتداء، فان هو اعتراف بألوهيته عرف معها أن هذا شأنه - سبحانه - ومقتضى ألوهيته، وأنه : " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ". لأنه وحده المهيمن العليم بما يفعل.
ولكنه سؤال قد يسأله هازل مائع. لا هو مؤمن جاد، ولا هو ملحد جاد. ومن ثم لا يجوز الاحتفال به، ولا أخذه مأخذ الجد... وقد يسأله جاهل بحقيقة الألوهية وخصائصها. فالسبيل لتعليم هذا الجاهل ليس هو الإجابة المباشرة. إنما هو تعريفه بحقيقة الألوهية وخصائصها... حتى يعرفها ويسلم بها فهو مؤمن. أو يجحدها وينكرها فهو ملحد... وبهذا ينتهي الجدل... إلا أن يكون مراء ! والمسلم منهى عن المضى في الجدل حتى يكون مراء!.
والخلاصة التي ننتهي إليها من هذا الاستطراد في هذه الفقرة: هي أنه ليس لأحد من خلق الله أن يسأله - سبحانه - لماذا شاء أن يخلق " الإنسان " بهذه الفطرة ؟ ولماذا شاء أن يبقي فطرته هذه عاملة لا تمحى ولا تعطل ؟ لماذا شاء أن يجعل المنهج الإلهي لحياته البشرية يتحقق عن طريق الجهد البشري، وفي حدود الطاقة البشرية، والواقع المادي لحياته؟ ولم يشأ أن يجعله يتم بوسيلة خارقة، وبأسباب مبهمة غامضة!.
ولكن لكل أحد من خلقه أن يدرك هذه الحقائق ويعرفها؛ ويراها وهي تعمل في واقع الحياة البشرية. ويفسر أحداث التاريخ البشري على ضوئها. فيفقه خط سيرها التاريخي من ناحية؛ ويعرف كيف يواجه هذا الخط ويوجهه من ناحية أخرى. ويعيش مع حكمة الله وقدره، فينطبع بهما الانطباع الصحيح من ناحية ثالثة.
هذا المنهج الإلهي، الذي يمثله "الإسلام" في صورته النهائية، كما جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، لا يتحقق في الأرض، وفي دنيا الناس، بمجرد تنزله من عند الله. لا يتحقق بكلمة: “كن” الإلهية، مباشرة لحظة تنزله. ولا يتحقق بمجرد إبلاغه للناس وبيانه. ولا يتحقق بالقهر الإلهي على نحو ما يمضي ناموسه في دورة الفلك وسير الكواكب.
إنما يتحقق بان تحمله جماعة من البشر. تؤمن به إيماناً كاملاً، وتستقيم عليه - بقدر طاقتها- وتجتهد لتحقيقه في قلوب الآخرين وفي حياتهم كذلك، وتجاهد لهذه الغاية بكل ما تملك... تجاهد الضعف البشري والهوى البشري في داخل النفوس. وتجاهد الذين يدفعهم الضعف والهوى للوقوف في وجه الهدى... وتبلغ - بعد ذلك كله - من تحقيق هذا المنهج، إلى الحد الذي تطيقه فطرة البشر، والذي يهيئه لهم واقعهم المادي. على أن تبدأ بالبشر من النقطة التي هم فيها فعلاً، ولا تغفل واقعهم، ومقتضياته في سير وتتابع مراحل هذا المنهج الإلهي... ثم تنتصر هذه الجماعة على نفسها وعلى نفوس الناس معها تارة. وتنهزم في المعركة مع نفسها أو مع نفوس الناس تارة.. بقدر ما تبذل من الجهد . وبقدر ما تتخذ من الوسائل المناسبة للزمان ولمقتضيات الأحوال. وقبل كل شيء... بمقدار ما تمثل هي ذاتها من حقيقة هذا المنهج، ومن ترجمته ترجمة عملية في واقعها وسلوكها الذاتي.
هذه هي طبيعة هذا الدين وطريقته... وهذه هي خطته الحركية ووسيلته.. وهذه هي الحقيقة التي شاء الله أن يعلمها للجماعة المسلمة وهو يقول لها: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ". " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ". " والذين جاهدوا فينا يهدينهم سبلنا ".
وهذه هي الحقيقة التي شاء الله أن يعلمها للجماعة المسلمة في غزوة أحد حينما قصرت في تمثيل حقيقة هذا الدين في ذوات أنفسها في بعض مواقف الغزوة. وحينما قصرت في اتخاذ الوسائل المناسبة في بعض مواقفها. وحينما غفلت عن هذه الحقيقة الأولية أو نسيتها. وفهمت أن من مقتضى كونها مسلمة أن تنتصر حتماً! فقال لها الله سبحانه: " أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنى هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم ". وقال لها. " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة.. ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ".
ولقد تعلمت الجماعة المسلمة هذه الحقيقة في هذه الغزوة، لا بالكلام ولا بالعتاب، ولكن تعلمتها مع هذا بالدماء وبالآلام. ودفعت ثمنها غالياً: هزيمة بعد نصر. وخسارة بعد غنم. وجراحاً لم تكد تدع أحداً معافى. وشهداء كراماً فيهم سيد الشهداء حمزة - رضى الله عنه - وأغلى من ذلك كله وأشد وقعاً على الجماعة المسلمة كلها جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشج وجهه الكريم، وكسر رباعيته في فمه، ووقوعه لجنبه في الحفر التي حفرها أبو عمرو الفاسق حليف قريش مكيدة للمسلمين، وجهد المشركين له -صلى الله عليه وسلم- وهم يطاردونه، وهو مفرد في نفر من أصحابه استشهدوا واحداً بعد واحد وهم يذودون عنه، ويترس أحدهم- أبو دجانة- بظهره عليه يقيه نبل المشركين، والنبل يقع في ظهره فلا يتحرك... حتى ثاب إليه المؤمنون من هزيمتهم وحيرتهم، وهم يتلقون هذا الدرس الشاق المرير!.
على أنه من الملاحظ الواضح أن ترك المنهج الإلهي للجهد البشري، يتولى تحقيقه في حدود الطاقة البشرية، يصلح النفوس البشرية، ويصلح الحياة البشرية.. نقول هذا لا لنعلل به مشيئة الله - سبحانه- في جعل الأمر على ما جعله. ولكن لنسجل - فقط - ملاحظة واقعية لآثار هذه المشيئة في حياة العباد.
ذلك أن حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان. مجاهدتهم بالقلب بكراهة باطلهم وجاهليتهم والعزم على نقلهم منها إلى الحق والإسلام. ومجاهدتهم باللسان بالتبليغ والبيان. ورفض باطلهم الزائف، وتقرير الحق الذي جاء به الإسلام. ومجاهدتهم باليد بالدفع والإزالة من طريق الهدى حين يعترضونه بالقوة الباغية والبطش الغشوم!.. وحتى يتعرض في تلك المجاهدة للابتلاء والأذى، والصبر على الابتلاء والأذى، والصبر على الهزيمة والصبر على النصر أيضاً - فالصبر على النصر أشق من الصبر على الهزيمة. ثم يثبت ولا يرتاب، ويستقيم ولا يتلفت، ويمضي في طريق الإيمان راشداً صاعداً.
حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان لأنه يجاهد نفسه كذلك في أثناء مجاهدته للناس؛ وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبداً وهو قاعد آمن ساكن، وتتبين له حقائق في الناس وفي الحياة لم تكن لتتبين له أبداً بغير هذه الوسيلة. ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره وتصوراته، وبعاداته وطباعه وانفعالاته واستجاباته، ما لم يكن ليبلغه أبداً بدون هذه التجربة الشاقة العسيرة.
وهذا بعض ما يشير إليه قوله تعالى: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ". وأول ما تفسد: فساد النفوس بالركود الذي تأسن معه الروح، وتسترخي معه الهمة، ويتلفها الرخاء والطراوة،. ثم تأسن الحياة كلها بالركود. أو بالحركة في مجال الشهوات وحدها. كما يقع للأمم حين تبتلى بالرخاء!
فهذه كذلك من الفطرة التي فطر الله الناس عليها. لقد جعل صلاح هذه الفطرة في المجاهدة لإقرار منهج الله للحياة البشرية، عن طريق الجهد البشري، وفي حدود الطاقة البشرية كذلك.
ثم إن هذه المجاهدة ومن يصاحبها من الابتلاء، هي الوسيلة العملية لتمحيص الصفوف - بعد تمحيص النفوس - ولتنقية الجماعة من المعطلين والمعوقين والمرجفين، ومن ضعاف النفوس والقلوب، ومن المخادعين والمنافقين والمرائين.
وهذه هي الحقيقة التي شاء الله أن يعلمها للجماعة المسلمة وهي تتعرض للامتحان، وتتعرض للابتلاء، وتتكشف فيها خفايا النفوس، كما تتميز فيها الصفوف،. تحت مطارق الابتلاء ومشقة التجربة، ومرارة الآلام.
وهذه هي الحقيقة التي شاء الله أن يعلمها للجماعة المسلمة، وهو يعقب على أحداث الغزوة. فيقول لها، رداً على سؤال المسلمين: " أنى هذا؟" "قل: هو من عند أنفسكم ".. ثم يعقب على هذا بقوله: " وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله. وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا ".. " وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب".. " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين "... كل ذلك ليستقر في حسهم أنه مع أن ما أصابهم كان بسبب تقصيرهم في تمثيل حقيقة الإيمان كاملة في مشاعرهم وتصرفاتهم في الغزوة.. فانه كذلك كان لخيرهم في النهاية بفضل الله عليهم، وتجاوزه عن تقصيرهم، واتخاذ نتائجه مادة لتعليمهم وتمحيصهم وتطهيرهم، وتمييز صفوفهم... وكله خير لأنفسهم ولحياتهم في نهاية المطاف...
ولا يتم تمام القول في طبيعة هذا الدين وطريقته، حتى نضيف إلى تلك الحقيقة التي نرجوا أن نكون قد كشفنا عنها في هذا البيان... تكملة ضرورية لها لابد من بيانها كذلك:
إن كون هذا المنهج الإلهي متروك تحقيقه للجهد البشري، في حدود الطاقة البشرية، وفي حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في شتى المدارج، وشتى البيئات.. لا يعني استقلال الإنسان نهائياً بهذا الأمر، وانقطاعه عن قدرة الله وتدبيره، ومدده وعونه وتوفيقه وتيسيره.. فتصور الأمر على هذا النحو مخالف في أصوله لطبيعة التصور الإسلامي.
ولقد بينا فيما سلف أن الله -سبحانه - يساعد من يجاهد للهدى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا "... وانه يغير حال الناس حين يغيرون ما بأنفسهم، وأنه لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ".
وهذان النصان يوضحان لنا العلاقة بين الجهد البشري الذي يبذله الناس، وعون الله ومدده الذي يسعفهم به، فيبلغون به ما يجاهدون فيه من الخير والهدى والصلاح والفلاح.
فإرادة الله هي الفاعلة في النهاية، وبدونها لا يبلغ "الإنسان" بذاته شيئاً، ولكن هذه الإرادة تعين من يعرف طريقها، ويستمد عونها ويجاهد في الله ليبلغ رضاه.
وقدر الله - مع ذلك كله - هو الذي يحيط بالناس والأحداث، وهو الذي يتم وفقه ما يتم من ابتلاء، ومن خير يصيبه الناجحون في هذا الابتلاء.
وهذه هي الحقيقة التي شاء الله - سبحانه- أن يعلمها للجماعة المسلمة. وهو يبين لها في التعقيب على غزوة أحد أسباب النصر وأسباب الهزيمة - من عملها - ثم يكشف لها عن حكمة الله من وراء الابتلاء كله، ومن وراء النصر والهزيمة: وعن تدبيره كذلك " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه. حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ". وليعرفهم سنته الشاملة. ومردها في النهاية إلى مشيئته الطليقة وقدره النافذ من وراء الأسباب والوقائع: "إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله. وتلك الأيام نداولها بين الناس. وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منك شهداء. والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين".
وإذن فهو - في النهاية - تدبير الله ومشيئته وقدره، ليتم ما يريده من وراء الأسباب والأحداث. وهو الأمر الذي لا يسأل عنه سبحانه: لأنه شأنه الإلهي، الذي لا يسأل عنه... وهذه هي حقيقة الإيمان الكبرى التي لا يتم في النفس إلا باستقرارها فيها، واطمئنانها إليها... وهي التكملة التي لابد منها لما قررناه في هذا الفصل عن طبيعة هذا الدين وطريقته ... بلا تعارض بين طرقي هذه الحقيقة في حسن المسلم، الذي يتذوق قلبه حقيقة هذا الدين، كما أنزلها الله. ولا يعارضها بتصورات ومقررات ليست مستقاة من كتاب الله.
منهج متفرد
والآن يقول قائل: إذا كان الإسلام، وهو منهج الله للحياة البشرية، لا يتحقق في الأرض وفي دنيا الناس، إلا بالجهد البشري، وفي حدود الطاقة البشرية، وفي حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في البيئات المختلفة... ما ميزته إذن على المناهج البشرية، التي يضعها البشر لأنفسهم، ويبلغون منها ما يبلغه جهدهم، في حدود طاقتهم وواقعهم؟ ولماذا يجب أن نحاول تحقيق ذلك المنهج، وهو يحتاج إلى الجهد البشري ككل منهج؟ فلا يتحقق منه شيء بمعجزة خارقة، ولا بقهر الهي ملزم؟ وهو يتحقق في حياة الناس، في حدود فطرتهم البشرية، وطاقتهم العادية ، وأحوالهم الواقعية؟!
ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج ابتداء لنحقق لأنفسنا صفة الإسلام. فركن الإسلام الأول: أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله... وشهادة أن لا إله إلا الله، معناها القريب: إفراد الله- سبحانه - بالألوهية، وعدم إشراك أحد من خلقه معه في خاصية واحدة من خصائصها... وأولى خصائص الألوهية: حق الحاكمية المطلقة، الذي ينشأ عنه حق التشريع للعباد، وحق وضع المناهج لحياتهم؛ وحق وضع القيم التي تقوم عليها هذه الحياة، فشهادة "أن لا إله إلا الله " لا تقوم ولا تتحقق إلا بالاعتراف بأن لله وحده حق وضع المنهج الذي تجرى عليه الحياة البشرية؛ وإلا بمحاولة تحقيق ذلك المنهج في حياة البشر، دون سواه ... وكل من ادعى لنفسه حق وضع منهج لحياة جماعة من الناس، فقد ادعى لنفسه حق وضع منهج لحياة جماعة من الناس، فقد ادعى حق الألوهية عليهم، بادعائه أكبر خصائص الألوهية. وكل من أقره منهم على هذا الإدعاء فقد اتخذه إلهاً من دون الله، بالاعتراف له بأكبر خصائص الألوهية... وشهادة أن محمد رسول الله، معناها القريب: التصديق بان هذا المنهج الذي بلغه لنا من الله، هو حقاً منهج الله للحياة البشرية، وهو وحده المنهج الذي نحن ملزمون بتحقيقه في حياتنا وفي حياة البشر جميعاً.
ومن ثم فنحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج، لنحقق لنفسنا صفة الإسلام التي ندعيها. وهي لا تتحقق إلا بشهادة أن لا إله إلا الله ، وان محمداً رسول الله. وهذه الشهادة لا تقوم إلا بإفراد الله بالألوهية. إفراده بحق وضع منهج الحياة. ومحاولة تحقيق ذلك المنهج الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله.
ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج لأسباب تتعلق بالمنهج ذاته. فهو - وحده - المنهج الذي يحقق كرامة "الإنسان" ويمنحه الحرية الحقيقة، ويطلقه من العبودية... هو - وحده - الذي يحقق له التحرر الكامل الشامل المطلق - في حدود إنسانيته وعبوديته لله - التحرر من العبودية للناس بالعبودية لله رب الناس... وما من منهج آخر في الأرض يحقق هذه الخاصية إلا الإسلام... ذلك أنه بربانيته، التي تفرد الله - سبحانه- بالألوهية، ومن ثم تفرده - سبحانه- بحق الحاكمية التي تشرع للناس منهج حياتهم... يجعل للناس إلهاً واحداً، وسيداً واحداً. ويمنع أن يكون بعضهم آلهة لبعض، لهم حق الحاكمية بعضهم على بعض؛ ولهم حق السيادة بعضهم على بعض ، في مقابل العبودية التي يتسم بها من يقرون لهؤلاء الآلهة بخصائص الألوهية!.
وهذه هي الخاصية يتفرد المنهج الإلهي. لا باللفظ والدعوى، ولكن بالحقيقة والواقع.. ومن ثم كانت دعوة الرسل جميعاً - عليهم الصلاة والسلام- هي إفراد الله بالألوهية؛ وإنكار كل خاصية من خصائصها على غير الله - سبحانه- من عبيده، الذي يتألهون، فيدعون حق وضع المناهج لحياة عباد الله، ويقرهم على هذا الإدعاء من لا يؤمنون بوحدانيته الله!.
ولقد قال الله عن اليهود والنصارى: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم. وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون".. وهم لم يكونوا يعبدون الأحبار والرهبان، إنما كانوا - فقط - يقرون لهم بحق التشريع لهم من دون الله، وبحق وضع المناهج لحياتهم بالتشريع. فقال الله عنهم: إنهم اتخذوهم أرباباً. وإنهم خالفوا عن أمر الله لهم بالتوحيد . وانهم مشركون..
روى الإمام احمد والترمذي وابن جرير من طرق، عن عدى بن حاتم - رضي الله عنه- انه لما بلغته دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية. فأسرت أخته وجماعة من قومه. ثم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أخته وأعطاها. فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتقدم عدى إلى المدينة، وكان رئيساً في قومه طيئ. أبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم. فتحدث الناس بقدومه. فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفي عنق عدى صليب من فضة - وهو يقرأ هذه الآية: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله "... قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال :" بلى! إنهم حرموا عليهم الحلال، واحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم"!.
وقال السدى: استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. ولهذا قال تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً "، أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع وما حكم به نفذ...
والإسلام وحده هو الذي يفرد الله - سبحانه - بالعبادة ، حين يفرده بالحاكمية وحق وضع المنهج لحياة الناس. ومن ثم فهو - وحده - الذي يطلق الناس من العبودية لغير الله .. ولهذا فنحن ملزمون بمحاولة تحقيق هذا المنهج دون سواه!.
ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج، لأنه - بربانيته - هو المنهج الوحيد المبرأ من نتائج الهوى الإنساني، والضعف الإنساني، والرغبة الإنسانية في النفع الذاتي، وفي تحقيق ذلك النفع عن طريق التشريع. لشخص المشرع. أو لأسرته. أو لطبقته. أو لشعبه... أو لجنسه.. فواضع ذلك المنهج هو الله . وهو - سبحانه- رب البشر أجمعين. فهو لا يشرع ليحابي نفسه! ولا ليحابي طبقة من البشر على طبقة! ولا ليحابي شعباً على شعب! ولا ليحابي جنساً على جنس!.
والتشريع البشري، الذي يصنعه فرد حاكم، أو أسرة حاكمة، أو طبقة حاكمة، أو أمة حاكمة، أو جنس حاكم... يستحيل - بحسب فطرة الإنسان - أن يتجرد من الهوى، ومن مراعاة مصلحة واضع التشريع.
فأما حين يكون منهج الله هو الذي يحكم حياة البشرـ فتنتفي هذه الصفة ويتحقق العدل الحقيقي الشامل الكامل، الذي لا يملك منهج آخر من مناهج البشر أن يحققه في صورته هذه. لأنه ليس بين هذه المناهج كلها ما يمكن أن يتجرد من عوامل الهوى الإنساني، والضعف الإنساني والحرص على المصلحة الذاتية في صورة من الصور.
وقد يخطر لقائل أن يقول حين يسمع التوجيهات الربانية الرفيعة في إقرار هذا العدل الشامل الكامل، الذي لا يتأثر بالهوى، ولا يتأثر بالعصبية والقرابة من مثل قوله تعالى للجماعة المسلمة: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى. واتقوا الله. إن الله خبير بما تعلمون ".
قد يخطر لقائل أن يقول: وما هي الضمانات التي تجعل الجماعة المسلمة تحقق هذا العدل الذي يدعوها الله إليه، ويأمرها به؟
والضمانة الحقيقية للمنهج الإسلامي كله كامنة في ضمير المسلم، منبعثة من إيمانه. فمتى وجد الإيمان بهذا الدين وجدت معه أقوى ضماناته. والمسلمون يتعلمون من دينهم ان مقومات وجودهم وانتصارهم والتمكين لهم في الأرض، تقوم كلها على الوفاء بهذه التوجيهات؛ وإلا تعرض وجودهم للزوال، وانقلب انتصارهم هزيمة، وذهبت ريحهم وذلوا.
وهم يسمعون الله - سبحانه- يقول لهم : " ولينصرن الله من ينصره. إن الله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. ولله عاقبة الأمور ".. ويوقنون ان الله - سبحانه - لا يحابيهم حين يحيدون عن الطريق.
والجماعة المسلمة ضمانة حقيقة لتحقيق هذه التوجهات. فهي تقوم على هذه العقيدة. وتأخذ نفسها بالتزام ما الزمها الله. وترى في كل إهمال أو تفريط نذيراً يلحقها كلها، ولا يصيب الذين ظلموا منها خاصة...
ومن ثم نحن ملزمون بتحقيق ذلك المنهج، لتحقيق ذلك العدل الشامل الكامل، الذي لا يتحقق إلا في ظل هذا المنهج المتـفرد.
ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج ، لأنه - وحده - المنهج المبرأ من نتائج الجهل الإنساني والقصور الإنساني - براءته من نتائج الضعف البشري - فواضعه هو خالق هذا الكائن الإنساني، العليم بما يصلحه ويصلح له. وهو المطلع على خفايا تكوينه وتركيبه، وخفايا الملابسات الأرضية والكونية كلها في مدى الحياة البشرية كذلك... فإذا وضع له منهجاً كان ملحوظاً في هذا المنهج كل هذه العوامل التي يستحيل على البشر أفراداً ومجتمعين في جيل من الأجيال - وفي جميع الأجيال كذلك - ان يطلعوا عليها. لأن بعضها في حاجة إلى استحضار جميع التجارب والظواهر للحياة البشرية في جميع أجيالها السابقة والحاضرة، والمستقبلة التي لم توجد بعد - وهذا مستحيل - وبعضها في حاجة إلى الإطلاع على كل خفايا الكون المحيطة بالإنسان - وهذا مستحيل كذلك - وذلك إلى قصور الإدراك البشري ذاته عن الحكم الصحيح المطلق حتى على ما يمكن ان تستحضر فيه التجارب والظواهر! لأنه محكوم بطبيعته الجزئية - غير المطلقة- ومحكوم بمؤثرات الهوى والضعف الأخرى. فليس هو إذن بالحكم في منهج يوضع "للكائن الإنساني"!.
ومن ثم يقول الله تعالى: " ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السماوات والأرض " .. ويقول:" ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون".
والناس كلهم لا يعلمون ... لا يعلمون ذلك العلم المطلق، الذي يحتاج إليه وضع منهج للحياة البشرية... ومن ثم لا يكون لهم إلا الهوى وإلا الجهل حين يتصدون لما ليس من شانهم ،ولما ليس من اختصاصهم ... فوق ادعائهم لخاصية من خصائص الألوهية... وهو إثم عظيم. وشر عظيم!.
ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج لأنه - وحده - المنهج الذي يقوم نظام الحياة البشرية فيه على أساس من التفسير الشامل للوجود. ولمكان الإنسان في هذا الوجود. ولغاية الوجود الإنساني - كما هي في الحقيقة- لا كما يرسمها الجهل والضعف والهوى البشري، في أي تصور آخر غير رباني.
وهذا هو الأساس السليم القويم الوحيد لقيام نظام للحياة البشرية على جذوره الطبيعية. فكل نظام لحياة البشر لا يقوم على أساس من هذا التفسير الشامل لا يقوم على جذوره الطبيعية، وهو نظام مصطنع لا يمكن ان يعيش طويلاً. وهو مصدر شقاء للبشر طوال مدة قيامه فيهم، حتى تحطمه فطرتهم وترجع إلى الأصل السليم القويم.
وهذا التفسير الذي يتضمنه ذلك المنهج الإلهي هو - وحده - التفسير الصحيح. لأنه من صنع خالق الوجود، وخالق الإنسان، العليم بحقيقة الوجود وبحقيقة الإنسان... وكل تفسير آخر للوجود، ولمقام الإنسان فيه، ولغاية الوجود الإنساني من صنع الإنسان نفسه، هو تفسير قاصر، لأن الوجود اكبر من الإنسان. فهناك استحالة في أن يصنع له الإنسان تفسيراً شاملاً. ولأن تحديد غاية الوجود الإنساني تحتاج إلى علم خالق هذا الإنسان وما أراده من خلقه. كما تحتاج إلى تجرد من الهوى في تحديد هذه الغاية! الأمر الذي لا يتيسر للإنسان أبداً.
والذي يراجع سجل الفلسفة التي حاولت تفسير الوجود، وتفسير مكان الإنسان فيه، وتفسير غاية الوجود الإنساني، يقع على ركام عجيب. فيه من المضحكات الساذجة بقدر ما فيه من السخف والافتعال. حتى ليعجب الإنسان. كيف تصدر هذه التصورات عن "فيلسوف"!! لولا أن يتذكر أن هذا الفيلسوف إنسان؛ لا يملك إلا أداة العقل البشري. وأن هذا ليس مجال العقل البشري. وأن هؤلاء الناس "الفلاسفة" ! هم الذين زجوا بأنفسهم في مجال لا منارة لهم فيه، إلا تلك الذبالة الموهوبة لهم من الله لشأن آخر غير هذا الشأن. ولمجال آخر غير هذا المجال. شان تملك فيه أن تجدى، ومجال تملك فيه ان تنير … ذلك هو شأن الحياة الواقعية وذلك هو مجال الخلافة في الأرض وفق المنهج الإلهي . من التطلع إلى فضل الله وعونه، فيما يمده به من تفسير شامل للوجود، ولغاية الوجود الإنساني... وقوله الفصل وهو الحق... وقد تضمن منهجه ذلك التفسير بالقدر الذي يقوم عليه التصور الإنساني الصحيح. وبالقدر الذي يقوم عليه كذلك نظام حياته على جذوره الطبيعية.
فنحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج، ليقوم نظام الحياة البشرية على جذوره الطبيعية. وليس هنالك منهج آخر، تتوافر فيه هذه الخاصية التي لا بد منها.
ونحن أخيراً ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج لأنه - وحده - المنهج الذي يتناسق مع نظام الكون كله. فلا ينفرد الإنسان بمنهج لا يتناسق مع ذلك النظام. على حين أنه مضطر ان يعيش في إطار هذا الكون، وان يتعامل بجملته مع النظام الكوني.
والتناسق بين منهج حياة الإنسان ومنهج حياة الكون هو وحده الذي يكفل للإنسان التعاون مع القوى الكونية الهائلة؛ بدلاً من التصادم معها. وهو حين يصطدم معها يتمزق وينسحق، ولا يؤدي وظيفة الخلافة في الأرض، كما أرادها الله له. وحين يتناسق مع نواميس الكون ويتوافق، يملك معرفة أسرارها، وتسخيرها، والانتفاع بها في حياته.
لا ليحترق بنار الكون ولكن ليطبخ ويستدفئ ويستضيء!!!.
والفطرة البشرية في أصلها متناسقة مع ناموس الكون... فحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن ذلك الناموس، فانه لا يصطدم مع الكون الهائل فحسب، بل يصطدم أيضاً بفطرته التي بين جنبيه، فيشقى ويتمزق ويحتار ويقلق، ويحيا كما تحيا البشرية اليوم في عذاب نكد، على الرغم من جميع الانتصارات العلمية، وجميع التيسيرات الحضارية المادية.
إن هذه البشرية تعاني من الشقاء والقلق والحيرة والاضطراب، وتهرب من واقعها النفسي بالأفيون والحشيش والمسكرات. وبالسرعة المجنونة، والمغامرات الحمقاء؛ "وبالتقاليع" السخيفة… وذلك على الرغم من الرخاء المادي والإنتاج الوفير والحياة الميسرة، والفراغ الكثير… لا بل إن الخواء والقلق والحيرة لتتضاعف كلها كلما تضاعف الرخاء المادي والتيسيرات الحضارية...
إن هذا الخواء المرير يطارد البشرية كالشبح الرهيب. يطاردها فتهرب منه. ولكنها تنتهي كذلك إلى خواء مرير.
وما من أحد يزور البلاد الغنية الثرية المترفة بالتيسيرات الحضارية - وفي مقدمتها أمريكا والسويد- حتى يكون الانطباع الأول في حسه أن هؤلاء قوم هاربون ! هاربون من أشباح تطاردهم. هاربون من ذوات أنفسهم... وسرعان ما ينكشف له الرخاء المادي والمتاع الحسي والإشباع الجنسي إلى حد التمرغ في الوحل... سرعان ما ينكشف له هذا كله عن الأمراض العصبية والنفسية، والشذوذ الجنسي، والقلق العصبي، والمرض والجنون، والجريمة الشاذة، وفراغ الحياة من كل تصور إنساني كريم.
لقد أحرزت البشرية - عن طريق العلم - انتصارات ضخمة في عالم الصحة والعلاج من الأمراض الجسمية. فكشفت من الأدوية ووسائل التشخيص والعلاج ما يعد انتصارات رائعة. وبخاصة بعد كشف مركبات السلفا والبنسلين والمايسين...
ولقد حققت في عالم الصناعة والإنتاج ما يشبه الخوارق... وما تزال في طريقها صعدا في هذا المجال.
ولقد أحرزت انتصارات باهرة في كشوف الفضاء، والأقمار الصناعية، ومحطات الهواء. ومراكب الفضاء... وما تزال في الطريق...
ولكن ما أثر هذا كله في حياتها؟ ما أثره في حياتها النفسية! هل وجدت السعادة؟ هل وجدت الطمأنينة؟ هل وجدت السلام؟ كلا! لقد وجدت الشقاء والقلق والخوف... إنها لم تتقدم كذلك في تصور أهداف الحياة الإنسانية، وغاية الوجود الإنساني. وحين يقاس تصور الرجل "المتحضر" لغاية وجوده الإنساني، إلى التصور الإسلامي لهذه الغاية، تبدو الحضارة الراهنة لعنة تنحط بالشعور الإنساني إلى الحضيض، وتصغر من اهتماماته وأشواقه وإنسانيته كلها!.
إنهم في أمريكا مثلاً يعبدون آلهة جديدة؛ يتصورونها غاية الوجود الإنساني. إله المال. وإله اللذة. وإله الشهرة. وإله الإنتاج! ومن ثم لا يجدون أنفسهم لأنهم لا يجدون غاية وجودهم الإنساني! وكذلك الحال في الجاهليات الأخرى. التي تعبد آلهة مشابهة، لأنها لا تجد إلهها الحقيقي!.
من اجل هذا كله نحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج الإلهي للحياة البشرية. لنرد البشرية إلى إلهها الواحد؛ وإلى غاية وجودها اللائقة بالإنسانية؛ وإلى الناموس الكوني الذي يشمل الكون كله ويشملها.
وهذه هي الحقيقة التي يقررها القران الكريم، وهو يستنكر مسلك الذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير شريعة الله، ومنهجه في الحياة، مخالفين بذلك عن كل شيء في هذا الوجود الكبير.
" أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً، وإليه يرجعون ".
وصدق الله العظيم
رجل اختلف فيه الناس , احتار فيه منتقدوه , واعجب به اعداؤه , شكل فكره اجيالا , ولكن هل يكفي ان تسمع عنه فقط لتحكم كالاخرين , بالطبع لا . نقدم لكم اليوم واحد من اروع ما سطره . فالي كلماته .
هذا الـديــن
سيد قطب
منهج للبشر
هناك حقيقة أولية عن طبيعة هذا الدين، وطريقة عمله في حياة البشر... حقيقة أولية بسيطة... ولكنها مع بساطتها، كثيراً ما تنسى، أو لا تدرك ابتداء. فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطأ جسيم في النظر إلى هذا الدين: حقيقته الذاتية وواقعه التاريخي. حاضرة ومستقبله كذلك!.
إن البعض ينتظر من هذا الدين- ما دام منزلاً من عند الله- أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب! ودون أي اعتبار لطبيعة البشر، ولطاقاتهم الفطرية، ولواقعهم المادي، في أي مرحلة من مراحل نموهم، وفي أية بيئة من بيئاتهم.
وحين لا يرون أنه يعمل بهذه الطريقة، وحين يرون أن الطاقة البشرية المحدودة، والواقع المادي للحياة الإنسانية، يتفاعلان معه، فيتأثران به - في فترات - تأثراً واضحاً، على حين انهما في فترات أخرى يؤثران تأثيراً مضاداً لاتجاهه، فتقعد بالناس شهواتهم وأطماعهم، وضعفهم ونقصهم، دون تلبية هتاف هذا الدين، أو الاتجاه معه في طريقه..
حين يرون هذا فانهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها - ما دام هذا الدين منزلاً من عند الله - أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني للحياة وواقعيته. أو يصابون بالشك في الدين إطلاقاً!.
وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كلها من خطأ واحد أساسي: هو عدم إدراك هذا الدين وطريقته، أو نسيان هذه الحقيقة الأولية البسيطة.
إن هذا الدين منهج إلهي للحياة البشرية. يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر أنفسهم في حدود طاقتهم البشرية؛ وفي حدود الواقع المادي حينما يتسلم مقاليدهم. ويسير بهم إلى نهاية الطريق في حدود طاقتهم البشرية، وبقدر ما يبذلونه من هذه الطاقة.
وميزته الأساسية: انه لا يغفل لحظة، في أية خطة وفي أية خطوة عن فطرة الإنسان وحدود طاقته ، وواقع حياته المادي أيضاً. وأنه - في الوقت ذاته- يبلغ به - كما تحقق ذلك فعلاً في بعض الفترات، وكما يمكن أن يتحقق دائماً كلما بذلت محاولة جادة - إلى ما لم يبلغه أي منهج آخر من صنع البشر على الإطلاق . و في يسر وراحة وطمأنينة واعتدال.
ولكن الخطأ كله - كما تقدم - ينشأ من عدم إدراك طبيعة هذا الدين أو من نسيانها. ومن انتظار الخوارق المجهولة الأسباب على يديه...تلك الخوارق التي تبدل فطرة الإنسان، ولا تبالي طاقاته المحدودة ، ولا تحفل واقعه المادي البيئي !
أليس هو من عند الله؟ أليس الله قادرا على كل شيء؟ فلماذا إذن يعمل هذا الدين - فقط- في حدود الطاقة البشرية المحدودة؟ وتتأثر نتائج عمله بالضعف البشري؟ بل لماذا يحتاج أصلا إلى الجهد البشري؟ ثم... لماذا لا ينتصر دائماً، ولا ينتصر أصحابه دائماً؟ لماذا تغلب ثقلة الضعف والشهوات والواقع المادي على رفرفته وشفافيته وانطلاقته أحياناً؟ ولماذا يغلب أهل الباطل على أصحابه - وهم أهل الحق - أحياناً!!
وكلها - كما ترى - أسئلة وشبهات، تنبع ابتداء من عدم إدراك الحقيقة الأولية لطبيعة هذا الدين وطريقته... أو من نسيانها!.
إن الله قادر - طبعاً - على تبديل فطرة الإنسان، عن طريق هذا الدين أو عن غير طريقه. ولكنه - سبحانه - شاء أن يخلق الإنسان بهذه الفطرة لحكمة يعلمها. وشاء أن يجعل الهدى ثمرة للجهد والرغبة في الهدى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " ... وشاء أن تعمل فطرة الإنسان دائماً، ولا تمحى ولا تعطل: " و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها ".. وشاء أن يتم تحقيق منهجه الإلهي للحياة البشرية عن طريق الجهد البشري، وفي حدود الطاقة البشرية: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "... " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " وشاء أن يبلغ الإنسان من هذا كله بقدر ما يبذل من الجهد، وما يُـنفق من الطاقة، وما يصبر على الابتلاء في تحقيق هذا المنهج الإلهي القويم، وفي دفع الفساد عن نفسه وعن الحياة من حوله: "احسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعملن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ".
وليس لأحد من خلق الله أن يسأله - سبحانه - لماذا شاء هذا كله على هذا النحو الذي أراده فكان. ليس لأحد من خلقه أن يسأله - سبحانه - ما دام أن أحداً من خلقه ليس إلهاً، وليس لديه العلم، ولا إمكان العلم - بالنظام الكلي لهذا الكون؛ ومقتضيات هذا النظام في طبيعة كل كائن في هذا الوجود.
ولماذا؟ - في هذا المقام - سؤال لا يسأله مؤمن جاد، ولا يسأله ملحد جاد… المؤمن لا يسأله، لأنه أكثر أدباً مع الله - الذي يعرفه بذاته وصفاته وخصائصه - وأكثر معرفة بطبيعة إدراكه البشري وحدوده، وأنه لم يهيأ للعمل في هذا المجال… والملحد الجاد لا يسأله، لأنه لا يعترف بالله ابتداء، فان هو اعتراف بألوهيته عرف معها أن هذا شأنه - سبحانه - ومقتضى ألوهيته، وأنه : " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ". لأنه وحده المهيمن العليم بما يفعل.
ولكنه سؤال قد يسأله هازل مائع. لا هو مؤمن جاد، ولا هو ملحد جاد. ومن ثم لا يجوز الاحتفال به، ولا أخذه مأخذ الجد... وقد يسأله جاهل بحقيقة الألوهية وخصائصها. فالسبيل لتعليم هذا الجاهل ليس هو الإجابة المباشرة. إنما هو تعريفه بحقيقة الألوهية وخصائصها... حتى يعرفها ويسلم بها فهو مؤمن. أو يجحدها وينكرها فهو ملحد... وبهذا ينتهي الجدل... إلا أن يكون مراء ! والمسلم منهى عن المضى في الجدل حتى يكون مراء!.
والخلاصة التي ننتهي إليها من هذا الاستطراد في هذه الفقرة: هي أنه ليس لأحد من خلق الله أن يسأله - سبحانه - لماذا شاء أن يخلق " الإنسان " بهذه الفطرة ؟ ولماذا شاء أن يبقي فطرته هذه عاملة لا تمحى ولا تعطل ؟ لماذا شاء أن يجعل المنهج الإلهي لحياته البشرية يتحقق عن طريق الجهد البشري، وفي حدود الطاقة البشرية، والواقع المادي لحياته؟ ولم يشأ أن يجعله يتم بوسيلة خارقة، وبأسباب مبهمة غامضة!.
ولكن لكل أحد من خلقه أن يدرك هذه الحقائق ويعرفها؛ ويراها وهي تعمل في واقع الحياة البشرية. ويفسر أحداث التاريخ البشري على ضوئها. فيفقه خط سيرها التاريخي من ناحية؛ ويعرف كيف يواجه هذا الخط ويوجهه من ناحية أخرى. ويعيش مع حكمة الله وقدره، فينطبع بهما الانطباع الصحيح من ناحية ثالثة.
هذا المنهج الإلهي، الذي يمثله "الإسلام" في صورته النهائية، كما جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، لا يتحقق في الأرض، وفي دنيا الناس، بمجرد تنزله من عند الله. لا يتحقق بكلمة: “كن” الإلهية، مباشرة لحظة تنزله. ولا يتحقق بمجرد إبلاغه للناس وبيانه. ولا يتحقق بالقهر الإلهي على نحو ما يمضي ناموسه في دورة الفلك وسير الكواكب.
إنما يتحقق بان تحمله جماعة من البشر. تؤمن به إيماناً كاملاً، وتستقيم عليه - بقدر طاقتها- وتجتهد لتحقيقه في قلوب الآخرين وفي حياتهم كذلك، وتجاهد لهذه الغاية بكل ما تملك... تجاهد الضعف البشري والهوى البشري في داخل النفوس. وتجاهد الذين يدفعهم الضعف والهوى للوقوف في وجه الهدى... وتبلغ - بعد ذلك كله - من تحقيق هذا المنهج، إلى الحد الذي تطيقه فطرة البشر، والذي يهيئه لهم واقعهم المادي. على أن تبدأ بالبشر من النقطة التي هم فيها فعلاً، ولا تغفل واقعهم، ومقتضياته في سير وتتابع مراحل هذا المنهج الإلهي... ثم تنتصر هذه الجماعة على نفسها وعلى نفوس الناس معها تارة. وتنهزم في المعركة مع نفسها أو مع نفوس الناس تارة.. بقدر ما تبذل من الجهد . وبقدر ما تتخذ من الوسائل المناسبة للزمان ولمقتضيات الأحوال. وقبل كل شيء... بمقدار ما تمثل هي ذاتها من حقيقة هذا المنهج، ومن ترجمته ترجمة عملية في واقعها وسلوكها الذاتي.
هذه هي طبيعة هذا الدين وطريقته... وهذه هي خطته الحركية ووسيلته.. وهذه هي الحقيقة التي شاء الله أن يعلمها للجماعة المسلمة وهو يقول لها: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ". " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ". " والذين جاهدوا فينا يهدينهم سبلنا ".
وهذه هي الحقيقة التي شاء الله أن يعلمها للجماعة المسلمة في غزوة أحد حينما قصرت في تمثيل حقيقة هذا الدين في ذوات أنفسها في بعض مواقف الغزوة. وحينما قصرت في اتخاذ الوسائل المناسبة في بعض مواقفها. وحينما غفلت عن هذه الحقيقة الأولية أو نسيتها. وفهمت أن من مقتضى كونها مسلمة أن تنتصر حتماً! فقال لها الله سبحانه: " أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنى هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم ". وقال لها. " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة.. ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ".
ولقد تعلمت الجماعة المسلمة هذه الحقيقة في هذه الغزوة، لا بالكلام ولا بالعتاب، ولكن تعلمتها مع هذا بالدماء وبالآلام. ودفعت ثمنها غالياً: هزيمة بعد نصر. وخسارة بعد غنم. وجراحاً لم تكد تدع أحداً معافى. وشهداء كراماً فيهم سيد الشهداء حمزة - رضى الله عنه - وأغلى من ذلك كله وأشد وقعاً على الجماعة المسلمة كلها جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشج وجهه الكريم، وكسر رباعيته في فمه، ووقوعه لجنبه في الحفر التي حفرها أبو عمرو الفاسق حليف قريش مكيدة للمسلمين، وجهد المشركين له -صلى الله عليه وسلم- وهم يطاردونه، وهو مفرد في نفر من أصحابه استشهدوا واحداً بعد واحد وهم يذودون عنه، ويترس أحدهم- أبو دجانة- بظهره عليه يقيه نبل المشركين، والنبل يقع في ظهره فلا يتحرك... حتى ثاب إليه المؤمنون من هزيمتهم وحيرتهم، وهم يتلقون هذا الدرس الشاق المرير!.
على أنه من الملاحظ الواضح أن ترك المنهج الإلهي للجهد البشري، يتولى تحقيقه في حدود الطاقة البشرية، يصلح النفوس البشرية، ويصلح الحياة البشرية.. نقول هذا لا لنعلل به مشيئة الله - سبحانه- في جعل الأمر على ما جعله. ولكن لنسجل - فقط - ملاحظة واقعية لآثار هذه المشيئة في حياة العباد.
ذلك أن حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان. مجاهدتهم بالقلب بكراهة باطلهم وجاهليتهم والعزم على نقلهم منها إلى الحق والإسلام. ومجاهدتهم باللسان بالتبليغ والبيان. ورفض باطلهم الزائف، وتقرير الحق الذي جاء به الإسلام. ومجاهدتهم باليد بالدفع والإزالة من طريق الهدى حين يعترضونه بالقوة الباغية والبطش الغشوم!.. وحتى يتعرض في تلك المجاهدة للابتلاء والأذى، والصبر على الابتلاء والأذى، والصبر على الهزيمة والصبر على النصر أيضاً - فالصبر على النصر أشق من الصبر على الهزيمة. ثم يثبت ولا يرتاب، ويستقيم ولا يتلفت، ويمضي في طريق الإيمان راشداً صاعداً.
حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان لأنه يجاهد نفسه كذلك في أثناء مجاهدته للناس؛ وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبداً وهو قاعد آمن ساكن، وتتبين له حقائق في الناس وفي الحياة لم تكن لتتبين له أبداً بغير هذه الوسيلة. ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره وتصوراته، وبعاداته وطباعه وانفعالاته واستجاباته، ما لم يكن ليبلغه أبداً بدون هذه التجربة الشاقة العسيرة.
وهذا بعض ما يشير إليه قوله تعالى: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ". وأول ما تفسد: فساد النفوس بالركود الذي تأسن معه الروح، وتسترخي معه الهمة، ويتلفها الرخاء والطراوة،. ثم تأسن الحياة كلها بالركود. أو بالحركة في مجال الشهوات وحدها. كما يقع للأمم حين تبتلى بالرخاء!
فهذه كذلك من الفطرة التي فطر الله الناس عليها. لقد جعل صلاح هذه الفطرة في المجاهدة لإقرار منهج الله للحياة البشرية، عن طريق الجهد البشري، وفي حدود الطاقة البشرية كذلك.
ثم إن هذه المجاهدة ومن يصاحبها من الابتلاء، هي الوسيلة العملية لتمحيص الصفوف - بعد تمحيص النفوس - ولتنقية الجماعة من المعطلين والمعوقين والمرجفين، ومن ضعاف النفوس والقلوب، ومن المخادعين والمنافقين والمرائين.
وهذه هي الحقيقة التي شاء الله أن يعلمها للجماعة المسلمة وهي تتعرض للامتحان، وتتعرض للابتلاء، وتتكشف فيها خفايا النفوس، كما تتميز فيها الصفوف،. تحت مطارق الابتلاء ومشقة التجربة، ومرارة الآلام.
وهذه هي الحقيقة التي شاء الله أن يعلمها للجماعة المسلمة، وهو يعقب على أحداث الغزوة. فيقول لها، رداً على سؤال المسلمين: " أنى هذا؟" "قل: هو من عند أنفسكم ".. ثم يعقب على هذا بقوله: " وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله. وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا ".. " وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب".. " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين "... كل ذلك ليستقر في حسهم أنه مع أن ما أصابهم كان بسبب تقصيرهم في تمثيل حقيقة الإيمان كاملة في مشاعرهم وتصرفاتهم في الغزوة.. فانه كذلك كان لخيرهم في النهاية بفضل الله عليهم، وتجاوزه عن تقصيرهم، واتخاذ نتائجه مادة لتعليمهم وتمحيصهم وتطهيرهم، وتمييز صفوفهم... وكله خير لأنفسهم ولحياتهم في نهاية المطاف...
ولا يتم تمام القول في طبيعة هذا الدين وطريقته، حتى نضيف إلى تلك الحقيقة التي نرجوا أن نكون قد كشفنا عنها في هذا البيان... تكملة ضرورية لها لابد من بيانها كذلك:
إن كون هذا المنهج الإلهي متروك تحقيقه للجهد البشري، في حدود الطاقة البشرية، وفي حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في شتى المدارج، وشتى البيئات.. لا يعني استقلال الإنسان نهائياً بهذا الأمر، وانقطاعه عن قدرة الله وتدبيره، ومدده وعونه وتوفيقه وتيسيره.. فتصور الأمر على هذا النحو مخالف في أصوله لطبيعة التصور الإسلامي.
ولقد بينا فيما سلف أن الله -سبحانه - يساعد من يجاهد للهدى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا "... وانه يغير حال الناس حين يغيرون ما بأنفسهم، وأنه لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ".
وهذان النصان يوضحان لنا العلاقة بين الجهد البشري الذي يبذله الناس، وعون الله ومدده الذي يسعفهم به، فيبلغون به ما يجاهدون فيه من الخير والهدى والصلاح والفلاح.
فإرادة الله هي الفاعلة في النهاية، وبدونها لا يبلغ "الإنسان" بذاته شيئاً، ولكن هذه الإرادة تعين من يعرف طريقها، ويستمد عونها ويجاهد في الله ليبلغ رضاه.
وقدر الله - مع ذلك كله - هو الذي يحيط بالناس والأحداث، وهو الذي يتم وفقه ما يتم من ابتلاء، ومن خير يصيبه الناجحون في هذا الابتلاء.
وهذه هي الحقيقة التي شاء الله - سبحانه- أن يعلمها للجماعة المسلمة. وهو يبين لها في التعقيب على غزوة أحد أسباب النصر وأسباب الهزيمة - من عملها - ثم يكشف لها عن حكمة الله من وراء الابتلاء كله، ومن وراء النصر والهزيمة: وعن تدبيره كذلك " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه. حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ". وليعرفهم سنته الشاملة. ومردها في النهاية إلى مشيئته الطليقة وقدره النافذ من وراء الأسباب والوقائع: "إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله. وتلك الأيام نداولها بين الناس. وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منك شهداء. والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين".
وإذن فهو - في النهاية - تدبير الله ومشيئته وقدره، ليتم ما يريده من وراء الأسباب والأحداث. وهو الأمر الذي لا يسأل عنه سبحانه: لأنه شأنه الإلهي، الذي لا يسأل عنه... وهذه هي حقيقة الإيمان الكبرى التي لا يتم في النفس إلا باستقرارها فيها، واطمئنانها إليها... وهي التكملة التي لابد منها لما قررناه في هذا الفصل عن طبيعة هذا الدين وطريقته ... بلا تعارض بين طرقي هذه الحقيقة في حسن المسلم، الذي يتذوق قلبه حقيقة هذا الدين، كما أنزلها الله. ولا يعارضها بتصورات ومقررات ليست مستقاة من كتاب الله.
منهج متفرد
والآن يقول قائل: إذا كان الإسلام، وهو منهج الله للحياة البشرية، لا يتحقق في الأرض وفي دنيا الناس، إلا بالجهد البشري، وفي حدود الطاقة البشرية، وفي حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في البيئات المختلفة... ما ميزته إذن على المناهج البشرية، التي يضعها البشر لأنفسهم، ويبلغون منها ما يبلغه جهدهم، في حدود طاقتهم وواقعهم؟ ولماذا يجب أن نحاول تحقيق ذلك المنهج، وهو يحتاج إلى الجهد البشري ككل منهج؟ فلا يتحقق منه شيء بمعجزة خارقة، ولا بقهر الهي ملزم؟ وهو يتحقق في حياة الناس، في حدود فطرتهم البشرية، وطاقتهم العادية ، وأحوالهم الواقعية؟!
ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج ابتداء لنحقق لأنفسنا صفة الإسلام. فركن الإسلام الأول: أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله... وشهادة أن لا إله إلا الله، معناها القريب: إفراد الله- سبحانه - بالألوهية، وعدم إشراك أحد من خلقه معه في خاصية واحدة من خصائصها... وأولى خصائص الألوهية: حق الحاكمية المطلقة، الذي ينشأ عنه حق التشريع للعباد، وحق وضع المناهج لحياتهم؛ وحق وضع القيم التي تقوم عليها هذه الحياة، فشهادة "أن لا إله إلا الله " لا تقوم ولا تتحقق إلا بالاعتراف بأن لله وحده حق وضع المنهج الذي تجرى عليه الحياة البشرية؛ وإلا بمحاولة تحقيق ذلك المنهج في حياة البشر، دون سواه ... وكل من ادعى لنفسه حق وضع منهج لحياة جماعة من الناس، فقد ادعى لنفسه حق وضع منهج لحياة جماعة من الناس، فقد ادعى حق الألوهية عليهم، بادعائه أكبر خصائص الألوهية. وكل من أقره منهم على هذا الإدعاء فقد اتخذه إلهاً من دون الله، بالاعتراف له بأكبر خصائص الألوهية... وشهادة أن محمد رسول الله، معناها القريب: التصديق بان هذا المنهج الذي بلغه لنا من الله، هو حقاً منهج الله للحياة البشرية، وهو وحده المنهج الذي نحن ملزمون بتحقيقه في حياتنا وفي حياة البشر جميعاً.
ومن ثم فنحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج، لنحقق لنفسنا صفة الإسلام التي ندعيها. وهي لا تتحقق إلا بشهادة أن لا إله إلا الله ، وان محمداً رسول الله. وهذه الشهادة لا تقوم إلا بإفراد الله بالألوهية. إفراده بحق وضع منهج الحياة. ومحاولة تحقيق ذلك المنهج الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله.
ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج لأسباب تتعلق بالمنهج ذاته. فهو - وحده - المنهج الذي يحقق كرامة "الإنسان" ويمنحه الحرية الحقيقة، ويطلقه من العبودية... هو - وحده - الذي يحقق له التحرر الكامل الشامل المطلق - في حدود إنسانيته وعبوديته لله - التحرر من العبودية للناس بالعبودية لله رب الناس... وما من منهج آخر في الأرض يحقق هذه الخاصية إلا الإسلام... ذلك أنه بربانيته، التي تفرد الله - سبحانه- بالألوهية، ومن ثم تفرده - سبحانه- بحق الحاكمية التي تشرع للناس منهج حياتهم... يجعل للناس إلهاً واحداً، وسيداً واحداً. ويمنع أن يكون بعضهم آلهة لبعض، لهم حق الحاكمية بعضهم على بعض؛ ولهم حق السيادة بعضهم على بعض ، في مقابل العبودية التي يتسم بها من يقرون لهؤلاء الآلهة بخصائص الألوهية!.
وهذه هي الخاصية يتفرد المنهج الإلهي. لا باللفظ والدعوى، ولكن بالحقيقة والواقع.. ومن ثم كانت دعوة الرسل جميعاً - عليهم الصلاة والسلام- هي إفراد الله بالألوهية؛ وإنكار كل خاصية من خصائصها على غير الله - سبحانه- من عبيده، الذي يتألهون، فيدعون حق وضع المناهج لحياة عباد الله، ويقرهم على هذا الإدعاء من لا يؤمنون بوحدانيته الله!.
ولقد قال الله عن اليهود والنصارى: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم. وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون".. وهم لم يكونوا يعبدون الأحبار والرهبان، إنما كانوا - فقط - يقرون لهم بحق التشريع لهم من دون الله، وبحق وضع المناهج لحياتهم بالتشريع. فقال الله عنهم: إنهم اتخذوهم أرباباً. وإنهم خالفوا عن أمر الله لهم بالتوحيد . وانهم مشركون..
روى الإمام احمد والترمذي وابن جرير من طرق، عن عدى بن حاتم - رضي الله عنه- انه لما بلغته دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية. فأسرت أخته وجماعة من قومه. ثم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أخته وأعطاها. فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتقدم عدى إلى المدينة، وكان رئيساً في قومه طيئ. أبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم. فتحدث الناس بقدومه. فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفي عنق عدى صليب من فضة - وهو يقرأ هذه الآية: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله "... قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال :" بلى! إنهم حرموا عليهم الحلال، واحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم"!.
وقال السدى: استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. ولهذا قال تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً "، أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع وما حكم به نفذ...
والإسلام وحده هو الذي يفرد الله - سبحانه - بالعبادة ، حين يفرده بالحاكمية وحق وضع المنهج لحياة الناس. ومن ثم فهو - وحده - الذي يطلق الناس من العبودية لغير الله .. ولهذا فنحن ملزمون بمحاولة تحقيق هذا المنهج دون سواه!.
ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج، لأنه - بربانيته - هو المنهج الوحيد المبرأ من نتائج الهوى الإنساني، والضعف الإنساني، والرغبة الإنسانية في النفع الذاتي، وفي تحقيق ذلك النفع عن طريق التشريع. لشخص المشرع. أو لأسرته. أو لطبقته. أو لشعبه... أو لجنسه.. فواضع ذلك المنهج هو الله . وهو - سبحانه- رب البشر أجمعين. فهو لا يشرع ليحابي نفسه! ولا ليحابي طبقة من البشر على طبقة! ولا ليحابي شعباً على شعب! ولا ليحابي جنساً على جنس!.
والتشريع البشري، الذي يصنعه فرد حاكم، أو أسرة حاكمة، أو طبقة حاكمة، أو أمة حاكمة، أو جنس حاكم... يستحيل - بحسب فطرة الإنسان - أن يتجرد من الهوى، ومن مراعاة مصلحة واضع التشريع.
فأما حين يكون منهج الله هو الذي يحكم حياة البشرـ فتنتفي هذه الصفة ويتحقق العدل الحقيقي الشامل الكامل، الذي لا يملك منهج آخر من مناهج البشر أن يحققه في صورته هذه. لأنه ليس بين هذه المناهج كلها ما يمكن أن يتجرد من عوامل الهوى الإنساني، والضعف الإنساني والحرص على المصلحة الذاتية في صورة من الصور.
وقد يخطر لقائل أن يقول حين يسمع التوجيهات الربانية الرفيعة في إقرار هذا العدل الشامل الكامل، الذي لا يتأثر بالهوى، ولا يتأثر بالعصبية والقرابة من مثل قوله تعالى للجماعة المسلمة: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى. واتقوا الله. إن الله خبير بما تعلمون ".
قد يخطر لقائل أن يقول: وما هي الضمانات التي تجعل الجماعة المسلمة تحقق هذا العدل الذي يدعوها الله إليه، ويأمرها به؟
والضمانة الحقيقية للمنهج الإسلامي كله كامنة في ضمير المسلم، منبعثة من إيمانه. فمتى وجد الإيمان بهذا الدين وجدت معه أقوى ضماناته. والمسلمون يتعلمون من دينهم ان مقومات وجودهم وانتصارهم والتمكين لهم في الأرض، تقوم كلها على الوفاء بهذه التوجيهات؛ وإلا تعرض وجودهم للزوال، وانقلب انتصارهم هزيمة، وذهبت ريحهم وذلوا.
وهم يسمعون الله - سبحانه- يقول لهم : " ولينصرن الله من ينصره. إن الله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. ولله عاقبة الأمور ".. ويوقنون ان الله - سبحانه - لا يحابيهم حين يحيدون عن الطريق.
والجماعة المسلمة ضمانة حقيقة لتحقيق هذه التوجهات. فهي تقوم على هذه العقيدة. وتأخذ نفسها بالتزام ما الزمها الله. وترى في كل إهمال أو تفريط نذيراً يلحقها كلها، ولا يصيب الذين ظلموا منها خاصة...
ومن ثم نحن ملزمون بتحقيق ذلك المنهج، لتحقيق ذلك العدل الشامل الكامل، الذي لا يتحقق إلا في ظل هذا المنهج المتـفرد.
ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج ، لأنه - وحده - المنهج المبرأ من نتائج الجهل الإنساني والقصور الإنساني - براءته من نتائج الضعف البشري - فواضعه هو خالق هذا الكائن الإنساني، العليم بما يصلحه ويصلح له. وهو المطلع على خفايا تكوينه وتركيبه، وخفايا الملابسات الأرضية والكونية كلها في مدى الحياة البشرية كذلك... فإذا وضع له منهجاً كان ملحوظاً في هذا المنهج كل هذه العوامل التي يستحيل على البشر أفراداً ومجتمعين في جيل من الأجيال - وفي جميع الأجيال كذلك - ان يطلعوا عليها. لأن بعضها في حاجة إلى استحضار جميع التجارب والظواهر للحياة البشرية في جميع أجيالها السابقة والحاضرة، والمستقبلة التي لم توجد بعد - وهذا مستحيل - وبعضها في حاجة إلى الإطلاع على كل خفايا الكون المحيطة بالإنسان - وهذا مستحيل كذلك - وذلك إلى قصور الإدراك البشري ذاته عن الحكم الصحيح المطلق حتى على ما يمكن ان تستحضر فيه التجارب والظواهر! لأنه محكوم بطبيعته الجزئية - غير المطلقة- ومحكوم بمؤثرات الهوى والضعف الأخرى. فليس هو إذن بالحكم في منهج يوضع "للكائن الإنساني"!.
ومن ثم يقول الله تعالى: " ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السماوات والأرض " .. ويقول:" ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون".
والناس كلهم لا يعلمون ... لا يعلمون ذلك العلم المطلق، الذي يحتاج إليه وضع منهج للحياة البشرية... ومن ثم لا يكون لهم إلا الهوى وإلا الجهل حين يتصدون لما ليس من شانهم ،ولما ليس من اختصاصهم ... فوق ادعائهم لخاصية من خصائص الألوهية... وهو إثم عظيم. وشر عظيم!.
ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج لأنه - وحده - المنهج الذي يقوم نظام الحياة البشرية فيه على أساس من التفسير الشامل للوجود. ولمكان الإنسان في هذا الوجود. ولغاية الوجود الإنساني - كما هي في الحقيقة- لا كما يرسمها الجهل والضعف والهوى البشري، في أي تصور آخر غير رباني.
وهذا هو الأساس السليم القويم الوحيد لقيام نظام للحياة البشرية على جذوره الطبيعية. فكل نظام لحياة البشر لا يقوم على أساس من هذا التفسير الشامل لا يقوم على جذوره الطبيعية، وهو نظام مصطنع لا يمكن ان يعيش طويلاً. وهو مصدر شقاء للبشر طوال مدة قيامه فيهم، حتى تحطمه فطرتهم وترجع إلى الأصل السليم القويم.
وهذا التفسير الذي يتضمنه ذلك المنهج الإلهي هو - وحده - التفسير الصحيح. لأنه من صنع خالق الوجود، وخالق الإنسان، العليم بحقيقة الوجود وبحقيقة الإنسان... وكل تفسير آخر للوجود، ولمقام الإنسان فيه، ولغاية الوجود الإنساني من صنع الإنسان نفسه، هو تفسير قاصر، لأن الوجود اكبر من الإنسان. فهناك استحالة في أن يصنع له الإنسان تفسيراً شاملاً. ولأن تحديد غاية الوجود الإنساني تحتاج إلى علم خالق هذا الإنسان وما أراده من خلقه. كما تحتاج إلى تجرد من الهوى في تحديد هذه الغاية! الأمر الذي لا يتيسر للإنسان أبداً.
والذي يراجع سجل الفلسفة التي حاولت تفسير الوجود، وتفسير مكان الإنسان فيه، وتفسير غاية الوجود الإنساني، يقع على ركام عجيب. فيه من المضحكات الساذجة بقدر ما فيه من السخف والافتعال. حتى ليعجب الإنسان. كيف تصدر هذه التصورات عن "فيلسوف"!! لولا أن يتذكر أن هذا الفيلسوف إنسان؛ لا يملك إلا أداة العقل البشري. وأن هذا ليس مجال العقل البشري. وأن هؤلاء الناس "الفلاسفة" ! هم الذين زجوا بأنفسهم في مجال لا منارة لهم فيه، إلا تلك الذبالة الموهوبة لهم من الله لشأن آخر غير هذا الشأن. ولمجال آخر غير هذا المجال. شان تملك فيه أن تجدى، ومجال تملك فيه ان تنير … ذلك هو شأن الحياة الواقعية وذلك هو مجال الخلافة في الأرض وفق المنهج الإلهي . من التطلع إلى فضل الله وعونه، فيما يمده به من تفسير شامل للوجود، ولغاية الوجود الإنساني... وقوله الفصل وهو الحق... وقد تضمن منهجه ذلك التفسير بالقدر الذي يقوم عليه التصور الإنساني الصحيح. وبالقدر الذي يقوم عليه كذلك نظام حياته على جذوره الطبيعية.
فنحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج، ليقوم نظام الحياة البشرية على جذوره الطبيعية. وليس هنالك منهج آخر، تتوافر فيه هذه الخاصية التي لا بد منها.
ونحن أخيراً ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج لأنه - وحده - المنهج الذي يتناسق مع نظام الكون كله. فلا ينفرد الإنسان بمنهج لا يتناسق مع ذلك النظام. على حين أنه مضطر ان يعيش في إطار هذا الكون، وان يتعامل بجملته مع النظام الكوني.
والتناسق بين منهج حياة الإنسان ومنهج حياة الكون هو وحده الذي يكفل للإنسان التعاون مع القوى الكونية الهائلة؛ بدلاً من التصادم معها. وهو حين يصطدم معها يتمزق وينسحق، ولا يؤدي وظيفة الخلافة في الأرض، كما أرادها الله له. وحين يتناسق مع نواميس الكون ويتوافق، يملك معرفة أسرارها، وتسخيرها، والانتفاع بها في حياته.
لا ليحترق بنار الكون ولكن ليطبخ ويستدفئ ويستضيء!!!.
والفطرة البشرية في أصلها متناسقة مع ناموس الكون... فحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن ذلك الناموس، فانه لا يصطدم مع الكون الهائل فحسب، بل يصطدم أيضاً بفطرته التي بين جنبيه، فيشقى ويتمزق ويحتار ويقلق، ويحيا كما تحيا البشرية اليوم في عذاب نكد، على الرغم من جميع الانتصارات العلمية، وجميع التيسيرات الحضارية المادية.
إن هذه البشرية تعاني من الشقاء والقلق والحيرة والاضطراب، وتهرب من واقعها النفسي بالأفيون والحشيش والمسكرات. وبالسرعة المجنونة، والمغامرات الحمقاء؛ "وبالتقاليع" السخيفة… وذلك على الرغم من الرخاء المادي والإنتاج الوفير والحياة الميسرة، والفراغ الكثير… لا بل إن الخواء والقلق والحيرة لتتضاعف كلها كلما تضاعف الرخاء المادي والتيسيرات الحضارية...
إن هذا الخواء المرير يطارد البشرية كالشبح الرهيب. يطاردها فتهرب منه. ولكنها تنتهي كذلك إلى خواء مرير.
وما من أحد يزور البلاد الغنية الثرية المترفة بالتيسيرات الحضارية - وفي مقدمتها أمريكا والسويد- حتى يكون الانطباع الأول في حسه أن هؤلاء قوم هاربون ! هاربون من أشباح تطاردهم. هاربون من ذوات أنفسهم... وسرعان ما ينكشف له الرخاء المادي والمتاع الحسي والإشباع الجنسي إلى حد التمرغ في الوحل... سرعان ما ينكشف له هذا كله عن الأمراض العصبية والنفسية، والشذوذ الجنسي، والقلق العصبي، والمرض والجنون، والجريمة الشاذة، وفراغ الحياة من كل تصور إنساني كريم.
لقد أحرزت البشرية - عن طريق العلم - انتصارات ضخمة في عالم الصحة والعلاج من الأمراض الجسمية. فكشفت من الأدوية ووسائل التشخيص والعلاج ما يعد انتصارات رائعة. وبخاصة بعد كشف مركبات السلفا والبنسلين والمايسين...
ولقد حققت في عالم الصناعة والإنتاج ما يشبه الخوارق... وما تزال في طريقها صعدا في هذا المجال.
ولقد أحرزت انتصارات باهرة في كشوف الفضاء، والأقمار الصناعية، ومحطات الهواء. ومراكب الفضاء... وما تزال في الطريق...
ولكن ما أثر هذا كله في حياتها؟ ما أثره في حياتها النفسية! هل وجدت السعادة؟ هل وجدت الطمأنينة؟ هل وجدت السلام؟ كلا! لقد وجدت الشقاء والقلق والخوف... إنها لم تتقدم كذلك في تصور أهداف الحياة الإنسانية، وغاية الوجود الإنساني. وحين يقاس تصور الرجل "المتحضر" لغاية وجوده الإنساني، إلى التصور الإسلامي لهذه الغاية، تبدو الحضارة الراهنة لعنة تنحط بالشعور الإنساني إلى الحضيض، وتصغر من اهتماماته وأشواقه وإنسانيته كلها!.
إنهم في أمريكا مثلاً يعبدون آلهة جديدة؛ يتصورونها غاية الوجود الإنساني. إله المال. وإله اللذة. وإله الشهرة. وإله الإنتاج! ومن ثم لا يجدون أنفسهم لأنهم لا يجدون غاية وجودهم الإنساني! وكذلك الحال في الجاهليات الأخرى. التي تعبد آلهة مشابهة، لأنها لا تجد إلهها الحقيقي!.
من اجل هذا كله نحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج الإلهي للحياة البشرية. لنرد البشرية إلى إلهها الواحد؛ وإلى غاية وجودها اللائقة بالإنسانية؛ وإلى الناموس الكوني الذي يشمل الكون كله ويشملها.
وهذه هي الحقيقة التي يقررها القران الكريم، وهو يستنكر مسلك الذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير شريعة الله، ومنهجه في الحياة، مخالفين بذلك عن كل شيء في هذا الوجود الكبير.
" أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً، وإليه يرجعون ".
وصدق الله العظيم